في عام 2009 عندما نشبت التظاهرات في طهران ضد حكم الملالي ردد المتظاهرون " أوباما هل انت معنا ام معهم “! حيث كان من الواضح ان الإدارة الامريكية حينها لا ترغب بالتدخل فقط بل دعمت نظام الولي الفقيه فقد تم طرح الموضوع على الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما فكان رده " لا اريد ان اقوض علاقتي مع الملالي ". وترك الملالي يفتكون بالمتظاهرين علنا وامام شاشات التلفزيون دون ان تحرك الولايات المتحدة الامريكية ساكنة وهي التي تدعي انها راعية وقائدة الديمقراطية في العالم ومعها حلف الناتو وجرت العادة ان يتخذوا من تقارير منظمات حقوق الانسان ذريعة بل أساس في هجماته او تحركاته ضد أي دولة تصدر ضدها تقارير انتهاكات حقوق الانسان لكنه لم يفعل مع إيران هذا الشيء. وما حدث بعدها من احداث مهمة كالاتفاق النووي ودخول داعش في المنطقة وتوسعه بشكل غير مسبوق لأي منظمة إرهابية في العالم يتضح ان كل شيء كان قد تم الاعداد له مسبقا لان يكون هكذا فيطرح السؤال نفسه لماذا فعلوا هذا  في حين ان حلف الناتو تدخل لقلب نظام الحكم في ليبيا وقتل الرئيس الليبي القذافي بهذه الصورة البشعة فقط لمجرد الادعاء بانه قمع مظاهرة صغيرة اتضح فيما بعد انها لم تكن كذلك بل كانت مجرد نزاع عشائري بالسلاح بين قبيلتين وذهب سيف الدين القذافي لفض النزاع فتم صناعة خبر بان القذافي قمع تظاهرة سلمية مطالبة بالحرية  وكيف لا يكون واساطين الاعلام على سطح كوكب الأرض يملكها حلف الناتو برمتها! فهل اصحبت الان ليبيا أكثر ديمقراطية وامان وحرية وسعادة واستقرار قياسا بعهد حكم القذافي!

كما ذكرت في احدى مقالاتي السابقة فقد تم وهب العراق لإيران على طبق من ذهب ثم اليمن كي يتم تطويق دول الخليج لكن دون الإيقاع بها فهي مصدر مهم وقاعدة قديمة لحلف الناتو لا سيما الولايات المتحدة الامريكية التي تمتلك قواعد عسكرية رئيسية فيها.

في عام 2014 واثناء زيارتي للعراق التقيت في احدى المناسبات التجارية بمجموعة مسؤولين من محافظة الانبار وكان داعش قد سيطر عليها وبالطبع كان داعش هو حديث الساعة والقصص التي تنتشر ويتناقلها الناس فسئلت احد المدراء في احدى الدوائر الحكومية في الانبار وكان قد فر بأعجوبة من مقر المحافظة قبل ان يسقط بيد داعش, من اين يستمد هذا التنظيم قوته؟
فقال انه رأى بعينيهِ كيف يقاتلون وانهم على قلتهم شُجعان بشكل منقطع النظير لكنه قال لي انه لم يفهم شيئا حدث اكثر من مرة, فسالته وما هو؟
فأجاب بانه رأى بعينيه وفي أماكن عدة داخل الانبار كان داعش يستعمل فيها أسلوب الكر والفر قبل ان يسيطر نهائيا على المحافظة انه رأى اعتدة تركها داعش وأيضا الظرف الفارغ لرصاص بنادقه وصناديق الاعتدة الفارغة وكان فيها نسبة كبيرة من اعتدة إيرانية الصنع بل مكتوب على صناديقها " ساخت إيران" أي صنع في إيران وقسم منها امريكي الصنع.

من خلال متابعتي للأفلام الدعائية التي يُصدِرُها داعش عن قتاله في مختلف المناطق التي كان يسيطر عليها او التي لازال يسيطر عليها والتي عادة تكون بإنتاج هوليوودي راقي جدا وعالي الجودة وبإخراج ملفت للنظر لا يمكن ان يكون من عمل عليها إلا مخرج سينمائي محترف. فيتم التركيز عادة على استخدامه للقناص الذي يبث الرعب بين جنود الميليشيات العراقية مبينا دقة التصويب العالية، فجذب انتباهي السلاح القناص الذي يستعمله قناصوا داعش فبحثت عنه فكان هو من نوع شتاير   Steyr HS 50 M1 وهي نمساوية الصنع من مصنع شتاير الشهير وتعتبر اقوى وأدق قناصة في العالم تم صنعها لحد هذا اليوم. أحد الزبائن لهذه الشركة هي إيران حيث اشترت فقط 800 قطعة ثم تم استنساخها بشكل غير قانوني محليا في إيران وتسميتها (الصياد). ثم ظهرت أيضا تقريبا في نفس الوقت بأعداد قليلة مع ميليشيات الحشد الشعبي وبعض الميليشيات الشيعية التي تقاتل داعش في العراق.

بدأت حقبة الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترمب ووضع محاربة الإرهاب لا سيما داعش كأحد اولوياته، الشعار الذي ساعده كثيراً في الانتخابات عندما أعلن خلالها بان من صنع داعش هو أوباما وساعدته في هذا هيلاري كلنتون فهل كان مخطئا في هذا وأطلق الكلام جزافا ام ان شخصية مثله وقد فاز بالانتخابات فعلا لا ينطق عن الهوى وان له مصادره الموثوقة كي يكسب ثقة الناخبين!

كما قال أيضا في أحد مؤتمراته الانتخابية بانه مستاء جدا لما فعله أوباما من مكافأة إيران بتوقيع الاتفاق النووي معها وأيضا انتقد موضوع صرف المليارات المجمدة في البنوك الامريكية لصالح إيران. فبدأت أولى الخطوات فعلا بدعم نوعي عالي لميليشيات سوريا الديمقراطية التي تقاتل داعش ووصلت هذه الأسلحة النوعية عن طريق كردستان العراق من معبر سيمالكا ثم الى سوريا في حين ان القوات السورية التابعة للنظام لم تقاتل داعش كثيرا بل تركته فترات طويلة جدا بشكل يثير الاستغراب وصلت الى سنة كاملة دون ان تمسه برصاصة واحدة وهو يجول ويصول داخل الأراضي السورية بل تكشفت معلومات كثيرة عن تعامل النظام السوري مع داعش خصوصا في موضوع شراء النفط من داعش, كذلك لم تقصفه الطائرات الروسية إلا بعد ان حدث الانقلاب التركي على التحالف الدولي عقب الانقلاب الفاشل ضد اردوغان والذي انقلب فيه اردوغان على سياسة الولايات المتحدة متهما إياها بتدبير الانقلاب الفاشل واصلح علاقاته مع روسيا بقوة هذه المرة لدرجة ان الاثنين باتو يخططون سوية في الحرب ضد داعش ويقصفون داعش أيضا سوية وبدأوا فعلا بإضعافه والحاق الخسائر به تلو الخسائر في مدد قصيرة الامر الذي بات جليا انه ازعج إيران مما اعمى بصرها عن الكمين التركي – الروسي الذي نصب لها في شرق حلب والذي كان واضحا في تصريحات قادة الميليشيات الإيرانية في سوريا.

 وافق ترمب في اول يوم له في مكتبه البيضاوي على اول عملية عسكرية خطيرة ضد تنظيم القاعدة في اليمن وجاءت بنتائج باهرة سواء الخسائر التي مني بها التنظيم او كم المعلومات التي تم الاستحواذ عليها والأسلحة والمعدات والاعتدة التي كانت غالبيتها إيرانية الصنع. يجب هنا ان نتوقف كي نستذكر موقف تنظيم القاعدة وأيضا داعش من الوضع في اليمن فنراه واضح جدا وهو الوقوف الى جانب الحوثيين ضد قوات الشرعية اليمنية والتحالف الدولي لمحاربة الحوثيين.

قبل الانتخابات الرئاسية بدأت المخابرات الامريكية بنشر بعض الوثائق التي حصلت عليها في مقر بن لادن اثناء القاء القبض عليه والتي وصفتها حينها بانها أضخم "صيد" تم اصطياده في تاريخ الحرب على الإرهاب وقد تمت الموافقة بعد ضغوطات كبيرة على رفع السرية عن 314 وثيقة فقط، احدى هذه الوثائق كانت بتاريخ 18 اكتوبر/تشرين الأول عام 2007 تفصح بوضوح عن علاقة بن لادن بإيران وفيها يوبخ بن لادن أحد اتباعه لتهديده إيران دون الرجوع اليه في أمور مهمة كهذه حيث قال بن لادن له في رسالته بانها " قد تؤثر على الدعم المقدم لنا جميعا. ثم أردف قائلا له "وكما تعلم بان إيران هي الشريان الرئيس لدعمنا بالمال وبالأشخاص والاتصالات وأيضا مسألة الرهائن".

رغم ان مكتب رئيس المخابرات الوطنية في عهد ولاية الرئيس أوباما الذي كانت لديه هذه الوثائق قد حاول ان يبين ويركز على ان بن لادن كانت بينه وبين إيران بعض الأيام العصيبة والحقد المتبادل في محاولة لتشتيت الانتباه عن الأيام الجميلة والتعاون الكبير والخطير بينهما تبقى الوثائق تبين بوضوح التعاون بين إيران وتنظيم القاعدة الامر الذي يفسر عدم مهاجمة تنظيم القاعدة لإيران ولا حتى داعش بينما التنظيمين قد هاجموا المملكة العربية السعودية وبقوة بل وهاجم داعش حتى المدن المقدسة فيها في نفس توقيت نشوء نزاع حول إجراءات دخول الحجاج الإيرانيين للأراضي السعودية اثناء موسم الحج.

لأكثر من 5 سنوات تم التكتم على هذه الوثائق لأسباب غير مقنعة لكن يمكن تبريرها بانها توقيتات لازمة في السياسة فهي كأوراق اللعب فاللاعب المحترف لا يكشف أوراقه كلها في بداية اللعبة ولا في نهايتها إنما يكشف كل ورقة في وقتها المناسب. فكان من ضمن اول قراراته تشديد قوانين منح الفيز ودخول اللاجئين بل وصلت حد المنع في اول يوم من تطبيقها وان كان يحمل الجنسية الامريكية على سبع دول إسلامية ولكنه استثنى دول إسلامية أكثر خطورة وارهابا مثل أفغانستان لكن لو سألنا أنفسنا ما لرابط المشترك الحقيقي اذن بين هذه الدول السبعة سنجد انها الوحيدة التي تحوي ميليشيات ونفوذ إيراني وداعشي قوي جدا عدا السودان التي قد تكون وضعت معها للتمويه وصرف النظر عن المقصد لا أكثر.

فهل كان ترمب أيضا دقيقا عندما كرر كلماته اثناء حفل تنصيبه رئيسا " سأقضي على الإرهاب الإسلامي المتطرف " التي وصف بها إيران في احدى خطبه في أب/أغسطس من عام 2016؟

 

 

                                                                                                                                          

احداث ترمب يناير 2017

لماذا تغير مصير العراق - الجزء الثالث والاخير

هنا يكمن الخطر المحدق بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية لبقائها كدولة عظمى مطلقة وليس فقط مقعد دائم كما هو حال العجوز البريطانية اذا ماعلمنا ان الصين هي العضو الشيوعي الوحيد الدائم في مجلس الامن ويتمتع بمزايا قوية بل مستقبلية قوية مع حفاظه على الصدارة في النمو الاقتصادي بين دول العالم الى جانب الهند التي تاتي بالمركز الثاني والتي صار الان يتسابق زعماء الدول العظمى لزيارتها لنيل ثقتها وفتح ابواب التعامل التجاري معها بل وتاييد سياساتها ضد حليف الولايات المتحدة الامريكية اقصد هنا الباكستان التي وصفها رئيس وزراء بريطانيا بانها منبع الارهاب في العالم في وقت شطبت امريكا رسميا كلمة الارهاب في حروبها الحالية  وفي وصف طالبان ايضا طبقا لمعاهدة سرية معلنة بينهما كانت من نتائج المفاوضات التي جرت بينهما قبل اسابيع والتي اعلن فيها قائد قوات الامريكية في افغانستان بتريوس ان قادة طالبان وصلوا لمائدة المفاوضات تحت حماية الجيش الامريكي وطبعا اي زيارة من هذا النوع لاتتم إلا بضمانات كي لايتم القاء القبض على اعضاء طالبان المطلوبين دوليا وامريكياً وعادة يكون هذا الضمان هو بتبادل رهائن وتحت مضلة دولية سواء من الامم المتحدة او من دولة ثالثة محايدة لايكون لها صلة بالعملية اطلاقاً.

كما ذكرت سابقا ان الحروب جُلها لاسباب اقتصادية اي المال هو المحرك الاول والاخير لهذه الحروب منذ ان عرف البشر الحروب عبر التاريخ، افغانستان يمر عبرها بل يبدأ عندها خط تجارة المخدرات وهي تقع شمال شرق إيران المُصدرّ الاخر لتجارة مهولة من المخدرات والزارع لها ايضاً.

الهند البلد الاول في صناعة البرمجيات للكمبيوتر في العالم وهنا اقصد ان أكبر الشركات العالمية تأخذ من الهند مقرا لها او تستعمل ايادي هندية لتطوير هذه البرامجيات لتدني التكلفة دون السماح لاي جمعية من جمعيات الدفاع عن حقوق العمال بالتحقيق او التقصي عن هذه الظاهرة في الهند واسبابها او التحقيق باستغلال وتشجيع الشركات الامريكية والاوربية لهذه الظاهرة والتي تبقي الهند في هذا الوضع. ينافسها في هذا الصين البلد الذي حول مشكلة الضخامة السكانية فيه الى ثروة لا تنضب بل واعدة وهي الدولة الوحيدة في العالم في هذا العصر نجحت في هذا على الاطلاق.

كل شيء يبدو مخيفا للامريكان وعليه يجب تطويق هذا التنين باي طريقة ولو اضطرتهم لخوض حروب ولنقل خلق حروب. نعم انه تطويق التنين الصيني الذي تنبأ بسيطرته علماء الاقتصاد الامريكي قبل غيرهم اخذين بنظر الاعتبار ان علماء الاجتماع الامريكان قد خمنوا ان بقاء امريكا كامبراطورية قد يستمر في أحسن الاحوال الى العقد الثالث من القرن الحالي رغم محاولة الولايات المتحدة الامريكية ان يكون حالها على ماهو عليه ولو للنصف الاول من القرن الحالي.

فكان تطبيق خطة ما يسمى سياسة الاحتواء لدول “محور الشر" وبنظرة سريعة سنرى الاتي:

  1. خلق عذر خارق لاحتلال افغانستان لايجاد قاعدة امريكية شمال شرق إيران لتطويقها حيث ان إيران مطوقة اصلا من الهند وهي حليف لامريكا ونووي وباكستان حيث هي بلد غير مستقر وحليف امريكي ونووي ويزخر بالجماعات السُنية المسلحة عقائديا وعسكرياً والخليج العربي الذي هو قاعدة امريكية كبيرة برمته والعراق بعد 2003 والذي أصبح قاعدة امريكية سياسية وعسكرية بتصرف حر.

  2. التدخل في كورياالشمالية عن طريق مايسمى " مشكلة التسلح النووي " ومحاولة حصارها واسقاط نظام بيونگ يانگ لدمجها مع كوريا الجنوبية والتي يخشاها كل من اليابان والصين لاتخاذها خطوات اقتصادية قوية تجعلها منافس شرس لليابان والصين مع بناء علاقة إستراتيجية معها دوليا وثنائيا.

  3. اثارة مواضيع حقوق الانسان ومصير التبت ضد الصين لخلق معارضة او انقسام داخل الصين ولو على المدى البعيد بزرت من خلال استقبال اوباما للكاهن الروحي الديلي لاما الذي لايدخر وسعا لاظهار عمالته لاعداء بلده على حساب الوطن الواحد، الى جانب اثارة مشكلات اقتصادية قانونية للصين كتقييد سعر الفائدة على اليوان الصيني ومشاكل اغراق السوق ناهيك عن مشاكل الملكية الفكرية.

  4. الصين الدولة الشيوعية القوية الوحيدة التي لاتزال على قيد الحياة والمخاوف من تصدير هذا النجاح الذي حققته كفكر وتجربة يضر بخطط وايدولوجيات منظمة التجارة الدولية وماتحويه من سياسات غير اقتصادية معلنه ومبطنة.

  5. الضغط وبشدة على دول الخليج التابعة سياسا واقتصاديا للولايات المتحدة الامريكية باتخاذ اجراءات تمكنها من دخول منظمة التجارة الدولية باسرع وقت رغم ان انضمامها لهذه المنظمة لايخدمها تجاريا ابدا بل يضر بها ويضر بمصالح الصين وإيران ايضا.

 

فالخطة المستقبلية لعالم امريكي بحت قد بدأت والعراق ليس إلا جزء من هذا المخطط وليس لاهداف امريكا المعلبة اي مكان على ارض الواقع ولاحتى في الاحلام بل اهدافها الغير معلنة هي المرئية الان وفق معطيات الظرف الحالي في العراق وفي مايحصل في دول الجوار ودول المنطقة باسرها.

فهل علمنا لماذا تغير مصير العراق ...!

لماذا تغير مصير العراق - الجزء الثاني

يا ترى لماذا! في نفس الوقت نرى مواجهة دبلوماسية اقتصادية ضد إيران من قبل الولايات المتحدة الامريكية ويتبعها أكثر دول الاتحاد الاوربي وطبعا الدول العظمى مع بعض التراخي من قبل الصين وروسيا.الايرانين يحصلون على كل شي لبناء قوتهم النووية فأين الحصار وكيف يحصلون عليه إذا ما اخذنا بنظر الاعتبار ان اي تكنولوجية ذات الاستعمال المزدوج في العادة يطلب مصنعيها او مزوديها باثباتات تسمى "اثباتات المستخدم النهائي" اي اين ستذهب هذه التكنولوجية او الآلات واين سيتم تركيبها مشفوعة بصور لهذا التكونولجية او الالات وهي مُركَبة وتحت الاستخدام!!
رجعت بي الذاكرة لايام " القيادة الحكيمة" كيف كان يحصل على كل شيء إلا الطعام لشعبه كي يديم الالة العسكرية رغم الحصار الاقتصادي والسياسي بل حتى التلفزيوني ويحصل في نفس الوقت على الدعم اللوجستي رغم حصاره رسميا ودولياً وكنت شاهدا على ذلك اثناء تنفيذ منطقة حضر الطيران الشمالية والجنوبية التي كان ظاهرها لمنعه من "معاقبة شعبه واضطهاده" حسب ادعاء مجلس الامن الدولي وباطنها يختلف كليا بل جذرياً عن المُعلن. كانت الولايات المتحدة تستطيع اسقاط "القيادة الحكيمة" بساعات يومها فلماذا لم تشأ ذلك بل وصلت حد افشال احدى محاولات الاطاحة ب " القيادة الحكيمة" في عام 1996. هل لم تكن الولايات المتحدة الامريكية مستعدة انذاك لاي تغيير في المنطقة ام انها لم تشأ ان يطرء اي تغيير على المنطقة حينها؟ هل ظهور إيران كقوة نووية يخدم مساعي الولايات المتحدة الامريكية عالميا وايضا في منطقة الشرق الاوسط وكيف!
لو رجعنا بالذاكرة قليلا الى الوراء وبالذات سنة 1998عندما أعلن الرئيس الأمريكي الاسبق بيل كلنتون عن خطة احتواء لدول "محور الشر". ماذا تعني كلمة "احتواء" وتشمل دول كل من إيران وكوريا الشمالية والعراق.
طبعا من غير المعقول ان يقول خطة إحتلال دول "محور الشر" وإلا ستقوم الدنيا ولن تقعد على أمريكا لكن بعض الدول العظمى فهمت القصد بدون أدنى شك خصوصا الصين. لنضع بعين الاعتبار ان كل الحروب في التاريخ كان سببها اقتصادي بحت رغم الحجج المعلنة التي غلفت هذه الحروب لكنها تبقى حروب سببها اقتصادي بحت حيث ان " الكارتل " الصناعي هو المسيطر على تمويل المرشحين للرئاسات وهم اللذين في النهاية يضعون بل يسيرون سياسات ذلك المرشح في حالة فوزه ولايكون له الحياد عن هذا وإلا مصيره غير مؤمون بتاتا كما حصل للبعض.
لو نظرنا الى مواقف الصين من مساعي الولايات المتحدة الامريكية لتحجيم إيران وفي الجانب الاخر تقرب الولايات المتحدة الامريكية من كوريا الجنوبية في نزاعها ضد جارتها كوريا الشمالية لوجدنا التحفظ الكثير بل العلني على هذه السياسات.
لنتخيل الان خارطة العالم على ماهي عليه في عام 2010. الصين في وسط قواعد امريكية سواء منذ زمن الحرب الباردة كما في الفلبين واليابان او منذ احتلال افغانستان بذريعة مايسمى " بهجمات الحادي عشر من سبتمبر" التي صارت الهولوكوست الامريكي في القرن الواحد والعشرين وفي باكستان ايضا حيث زودتها امريكا بالسلاح النووي منذ أكثر من عشرين سنة خلت ولم يعترض عليها أحد رغم عدم حاجتها لذلك اطلاقا.
من ناحية اخرى قبل سنتين او تزيد قليلاً اعلنت الصين ان فائضها التجاري فاق السبعمائة وخمسين ترليون دولار في حين ان العجز الامريكي بلغ ارقام لم يبلغها في تاريخه حيث فاق لحد تاريخ اعداد هذا المقال الثلاثة عشر ترليون دولار اي بواقع ان كل مواطن امريكي يتحمل مبلغ يزيد عن أربع واربعين ألف دولار (إذا ما اخذنا ان تعداد الولايات المتحدة الامريكية يبلغ قليلا أكثر من ثلاثمائة مليون نسمة) اي مايزيد عن متوسط دخل الفرد الامريكي السنوي.
عرضت الصين ان تساعد في الازمة الاقتصادية لكن بشروط وهي الحد من دعم الولايات المتحدة لتايوان وايضا دعمها في مجال تقصيرها في حقوق الانسان والتي هي الشوكة التي تنغز بها الولايات المتحدة الامريكية رغم فشلها هي رسميا بالحفاظ على هذه الحقوق في الدول التي تحتلها منذ عام 2001 ولحد الان وفي الدول التي تدعمها مثل دول الخليج ومصر بالذات.
وغداً نُكملُ بقية المصير ...
 

لماذا تغير مصير العراق -الجزء الاول

في بداية الثمانينيات من القرن الماضي كنتُ لازلت مُراهقا لا اتذوق شيئاً في هذه الدنيا سِوا مطاردتي لابنة الجيران ذات "الگصايب" الفحمية او جلسة في "راس الشارع" مع "الشلة" ونتداول شؤون واخبار اخر كاسيتات " ياس خضر" او “حميد منصور" او حتى الراحل " سعدي الحلي" وشيئا من "مايكل جاكسون او جورج مايكل وحتى مادونا بزرها الاخاذ" ويبدء الضحك البريء. كنا نعود الى البيت قبل منتصف الليل إذا كان يوم خميس وإلا فيجب العودة قبل العاشرة في ليلة شتوية اذارية في باقي ايام الاسبوع وإلا " القرباچ" او " العودة" ستكون بالانتظار وإذا كان لديك أب نوعاً ما ديمقراطي فسينتهي بك الحال واقفا " يم باب الطرمة" تسمع " الرزالة" وتنام والكئابة "واصلة لخشمك" والسهرة "طلعت فتل من خشمك".
كنت اكثر الاحيان اجلس في "الهول " قرب والدي وهو يشاهد التلفزيون واخبار الساعة الثامنة و "رشدي عبد الصاحب اومقداد عبد الرضا" يزمجرون ببيانات النصر ووالدي يشرب " العرگ" بادب عالي كي لا يسكر ونفرح لنصرنا على " الفرس المجوس" او لتحريرنا " شبر من ارضنا" ومن حوله عائلتنا الصغيرة انذاك واشاهد بعد ذلك حرب عصابات وقتل مُخيف, الاخبار تكاد كلها تكون هكذا "فلان قتل فلان" من المليشية الفلانية وذاك الجانب يساعد ذاك الجانب لاادري لماذا فعيني اصغر من ان تدرك هذا الكم الهائل من الدم, أسئلُ نفسي "هؤلاء اخوة في بلد واحد لماذا يتقاتلون"؟
كأنَ أبي يعلم ما اُخفي من تساؤل فيبادرُ بالقول " يا أبني اللي تشوفه هذا بلبنان كان مرسوم النا" لكن ...يبدء يبرر حسب رأيهِ لماذا لانصبح هكذا وكان هو من مناصري الحزب ورئيسه صدام حسين أنذاك. فأصدقه لصغر سني وعقلي الذي لا يحمل سوى دراستي وقصصي وكاسيتاتي الغربية الغريبة على مجتمعنا أنذاك.
كبرت قليلا ولازال أبي يكرر لي هذا القول حتى نهاية عام 1990 وبدأت لا اصدقه حيث براي انه يبرر عدم حصوله لنا بان "قيادتنا حكيمة" لا تدعنا نقتتل بيننا ولا تدع مايمكنه ان يفرقنا ان يدخل العراق العظيم كونه بعثي عتيد وعتيق ويحب "القيادة الحكيمة".
بدأت بممارسة الكتابة في تلك الفترة سراً وكانت اولى كتاباتي التي "لزمها علي الوالد" هي ان صدام حسين وعد امام مؤتمر المحامين العرب انه لن يجيش جيشه ضد دولة عربية وإذا رأيتموني افعل فجيشوا جيوشكم ضدي، فقلت ان صدام قد بدء ذلك وكان بالطبع امرا لايزال سريا لكن بحكم خدمتي العسكرية في مكان ما جعلتني ارى هذا الشيء يتحقق قبل اعلانه رسميا. اي أني اشك في نوايا هذا " القومي العربي".
وصار ماصار وصولا الى عام 2003 فتذكرت كلام والدي "هذا مرسوم النه ابني بس قيادتنا الحكيمة منعته"
ذهبت القيادة وكان ابي يقف بجانبي وانا ارقص فرحاً بسقوط " الصنم" و " الحواسم" يكررون "فرهود" الاربعينات والخمسينات لكن على اموال العراق هذه المرة، فقال لي مرة ثانية " الحرب الاهلية قادمة لامحالة" فقلت في نفسي احتراما له " انه بعثي ويبكي مجده" ان "الديمقراطية" قادمة.
كنت اسئل نفسي كل يوم هذا السؤال رغم تعدد الاجابات القسرية والافتراضية من باقي العراقيين والعرب
حول جدوى غزو العراق وتكبد هذه الخسائر سواء من قبل الاولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وحتى بعض الداعمين لها. هل هي لجلب الديمقراطية حقا!! لكن النتائج تقول عكس هكذا وعلى راي المثل المصري الشهير في افلامهم " اسمع كلامك أسدئك أشوف عمايلك أستغرب" اعلنت الولايات المتحدة رسميا ان سببي غزوها للعراق انتفى بل نفتهما بنفسهما فلا أثر ولو في النجوم لاسلحة الدمار الشامل ولا اي علاقة حتى لو جنسية بين صدام حسين والقاعدة بل القاعدة وجدت لها قاعدة خصبة في العراق بعد الغزو وبفضل التخطيط الامريكي بفتح الحدود امام من هب ودب وبعد ذلك يتهمون دول الجوار بالتدخل ولا يتهمون أنفسهم بالتدخل في شؤون العراق " غريبة"...!
لاحلول في الافق لهذا الوضع المعقد المختلق عمداً في عراق مابعد " القيادة الحكيمة" وحتى في ظل الانتخابات التي صارت كوميدية منها ضرورية لحل معضلة السوشي في العراق" يعني السنة والشيعة"
الامر الغريب ان الولايات المتحدة الامريكية لاتريد اي حل رغم ادعائها لهذا بل هي ضد اي حل بل مع ابقاء الوضع على ماهو عليه وعلى العراقي طلب اللجوء.
وغداً نُكمِلُ بقية المصير ...

عندما يكون الموج اكثر امناً من السفينة نفسها

 

في عام 2012 كنت قد نشرت مقالة بعنوان " لم ينتهي التاريخ ايها الغبي " وذكرت فيها ان الاتحاد الاوربي سائر الى انهيار وتفكك مُدعِّماً رايي هذا بقول وراي للفيلسوف الفرنسي اندرية گلوكمان في محاضرة له انذاك تنبأ فيها وفق مايجري من احداث ونتائج مستقبلية بانهيار وتفكك الاتحاد الاوربي. الان وبعد اتضاح الرؤية اكثر بسبب خروج بريطانيا المنطقي من الاتحاد الاوربي والتي كانت غير متوقعة للمحللين المالين والصحفين الذين توقعوها من الاغريق فجائت من الانگليز وغالبية العامة ايضا ظنوا كذلك بل راح حتى المهاجرين في بريطانيا خصوصا من الجيل الثالث ولاسباب مضحكة يصوتون ضد خروج بريطانيا من الاتحاد الاوربي كما يفعل ايضا المهاجرون القدامى والجدد في الولايات المتحدة الامريكية عند الانتخابات الرئاسية الامريكية فيعتقدون انهم بالاماني والعواطف والنظرات الضيقة ان كانت هناك اصلا نظرات ان يفصّلوا قميصا على قياسهم وذوقهم فقط بدون اخذ تاريخ هذه الدول التي لجؤا اليها او القيم الاقتصادية او المعنوية او حتى المستقبلية بعين الاعتبار والحسبان. فكرة الاتحاد الاوربي  نشأت عام 1953 في بروكسل وكان الغرض الاساس منها والوحيد هو توحيد الزعامات في اوربا وخلق سببا للجلوس سوية دائما بعد ان وقعت حربين عالميتين بين الدول الاوربية بسبب الخلافات المذهبية والعرقية بين شعوب اوربا وقادتها اودت بحياة الملايين من البشر حول العالم وسببت دمار شبه كامل لاوربا وخاصة المانيا فكانت الفكرة بانشاء هذا الاتحاد لتجنب حرب اخرى فقط وكان المفكرين الذين توصلوا لهذه الفكرة يدركون جيدا ان شعوبهم لا تَودُ بعضُها البعض اطلاقا فعسى اذا ما جَمَعوا قادة هذه الشعوب على طاولة واحدة ابدية تحت سقف اتحاد واحد عسى ان لاتقع حرب اخرى في المستقبل. ثم صار الوضع الى تعزيز هذا الاتحاد باصدار العملة الموحدة لتقوية الاتحاد وليس لتقوية اقتصاد الاتحاد كما زعم من عمل على هذه الفكرة ووضعوا الخطط الاقتصادية والاجتماعية التي ظنوا انها تضمن ذلك وكانت النتائج كما نرى منذ تطبيق توحيد العملة عام 2000  وفرض المخلوق الجديد اليورو ولحد الان كيف ان الاقتصاد الاوربي ليس على مايرام بل يترنح بين الفينة والاخرى بازمات خانقة رغم ان الاتحاد حقق بعض النجاحات في جوانب معينة لاسيما العلمية منها لكن الزمن اثبت انها نجاحات لاتضمن استمرار الاتحاد على الاطلاق فهي نجاحات لجانب معين ومحدد فقط . ثم اظافوا اتفاقية شنگن التي وقعت  في بدايتها بين بلجيكا وهولندا وفرنسا والمانيا ولوكسمبورگ على متن السفينة ماري استريد Marie- Astrid على نهر موسلي Moselle  قبالة قرية شنگن النائية الواقعة ضمن دوقية لوكسمبورگ الى الجنوب الشرقي من مملكة بلجيكا صاحبة فكرة إنشاء الاتحاد الاوربي ويفخر اهلها بارقى انواع النبيذ لما تتميز به مزارع العنب الموجودة فيها تلك القرية التي لايتجاوز تعداد سكانها الفي نسمة انذاك عند توقيعها عام 1985 ولم تدخل الاتفاقية حيز التنفيذ إلا في عام 1995 ثم انضمت اليها باقي دول الاتحاد الاوربي تباعا عدا بريطانيا وايرلندا حيث لم يكن عدد اعضاء الاتحاد الاوربي كما هو الحال الان بل ايضا لم يكن كل اعضاء الاتحاد الاوربي قد وقعواعلى اتفاقية شنگن كما هو الحال مع اتفاقية العملة الموحدة اليورو فكانت هذه اولى بوادرالانشقاقات وكان يقود هذه الانشقاقات دائما هي الامبراطورية التي صارت الشمس تغيب عنها في السنة لاكثر من 9 اشهر لكنها لازالت تدعي العكس لكن ايضا تعمل على ان تبقى فعلا لاتغيب عنها الشمس وهي ترى ان شمسها بدأت فعلا بالافول والذوبان بالاتحاد الاوربي الذي انضمت اليه عام 1973. المتمعن بالتاريخ البريطاني وكيفية تفكير العقلية البريطانية كان سيعرف ان المملكة المتحدة سوف لن تبقى في هذا الاتحاد فالانگليز لايودون ابدا ان يكونوا في موضوع غير موضع قيادة وهذا لن يتحقق اطلاقا وهم داخل الاتحاد لاسيما انهم يوالون بل يشكلون عنصرا مهما في السياسة الامريكية والتي بدورها غير مرحب بها بالتمام والكمال داخل الاتحاد الاوربي وظهر هذا جليا في عدة احداث خطيرة اخرها واكبرها على الاطلاق غزو العراق من قبل بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية وسط معارضة كل دول الاتحاد الاوربي ومجلس الامن والامم المتحدة ايضا خصوصا بعد خدعة الحرب على الارهاب التي فرقع دخانها الولايات المتحدة الامريكية ثم اتضح فيما بعد الكثير من ملفاتها المريب وظهور اجندات سرية فكانت علامات الساعة قد بدأت بالاتقاد الى حد تفجر الازمة المالية التي تسببت بها الولايات المتحدة الامريكية تعمداً كما اتضح من سياق التحقيقات الصورية التي شكلتها لجنة مستقلة من الكونغرس الامريكي والتي كشفت علنا كيف ان كبريات البنوك الامريكية وهي ايضا اكبر بنوك العالم قد تلاعبت وضللت الراي العام والمستثمرين بل والقانون وخرقت كل محظور لتكديس اكبر كمية ممكنة من الاموال في خزائنها فكانت بالضبط عملية سحب البساط من تحت القدم اودت الى شبه انهيار اقتصادي للاتحاد الاوربي الذي لازال يرزح تحت هذه الضغوط بل بالفعل انهارت بنوك اوربية كبيرة وقديمة لم ينقذها إلا الاندماج مع بعضها ناهيك عن افلاس مشاريع وشركات كبيرة. سارعت اسكتلندا الى اعلان عزمها على البقاء ضمن الاتحاد الاوربي مما يعتبر دلالة على نيتها الانفصال فعلا عن المملكة المتحدة الامر الذي فشل سابقا لكن هاهي الان تعلن صراحة الى امكانية اعادة الاستفتاء حول الانفصال عن المملكة المتحدة وهو الامر الذي سرع عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الاوربي كي تحافظ هي على اتحادها بالرجوع الى اقتصادها وافكارها الكبيرة القديمة فبريطانيا لم تكن عظمى بفضل الاتحاد الاوربي بل بفضل تاريخها فهي ولدت عظمى ولو بقي الاتحاد الاوربي سوف تكون جزءاً عادياً ضمن القطيع وهذا يتنافى مع الفكرة العظمى للانگليز بانهم هم مَنْ يمنحون الحرية والقانون للباقين ويعطون القوة مع ضمان بقائهم الاقوى وهذه فلسفة انگليزية بحته يجب علينا ادراكها كي نفهم كيف يفكر الانگليز ثم نعي تصرفاتهم عندها نستطيع ان نعرف ماسيقدمون عليه. عودا على موضوع استكتلندا نرى تصريحات قادتها الرسمية بالتفاني للبقاء في الاتحاد الاوربي مما له دلالة عن النأي بمجاديفهم عن شراع الانگليز الامر الذي سيؤكد كما اسلفت حتمية طرح استفتاء ثانٍ للانفصال عن المملكة المتحدة الامر الذي إن حدث ستكون عواقبه كبيرة سواء السياسية او الاقتصادية على المملكة المتحدة ومن جانبٍ اخر فان إنفصال اسكتلندا عن المملكة المتحدة قد يفتح شهيتها للانفصال بعد ذلك عن الاتحاد الاوربي حيث تَعلَمُ اسكتنلدا كباقي دول الاتحاد بان الاتحاد ليس اكثر من سفينة تغرق والعبرة ليست بالقفز منها فقط إنما بالقفز المبكر منها حين يكون الموج العاتي أأمنُ من السفينة نفسها وهذا مافعله الانگليز الذين كانوا الثقل الاكبر للاتحاد الاوربي لاسيما في السياسة الخارجية والدولية ذلك الاتحاد الذي لايوده الساسة في الولايات المتحدة الامريكية لما عرف عنهم من حساسيتهم لاي فكرة اتحاد تكون اقوى منهم لما في ذلك اضعاف لسطوتهم على مناطق عديدة في العالم حينما يتعلق الامر في طلب المساعدة من دول اوربية معينة وليس الاتحاد كله كما اسلفت في موضوع غزو العراق فقد ذكرت محطة CNBC عشية التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الاوربي وبالقلم العريض " ماذا قدمت بريطانيا للاتحاد الاوربي كي تبقى فيه "

لَمْ ينتهي التاريخ ايُها الغبي

 قرر الامريكي فوكوياما ذو الاصول الاسيوية بعد نهاية " عاصفة الصحراء " باخراج القوات العراقية من الكويت بان امريكا سيطرت ابديا على العالم وراح يفسر ويبرر ويحلل وفق معطيات آنية لاعلاقة لها بالاقتصاد من بعيد ولا قريب. عندما بلغ الدين الامريكي حدود المستحيل تسدديه ومارافقه من انهيارات اقتصادية بالجملة عرف المشرعون والاقتصادين وصانعي القرار في الولايات المتحدة الامريكية بان الحال الاقتصادي لايبشر بخير بل انه في انهيار تام مما استوجب تدخل الحكومة الامريكية بمساعدات خرقت كل قوانين اقتصاد السوق الراسمالية وضخت مايربو على 750 ترليون دولار لمساعدة شركاتها الضخمة المنهارة بالكامل وبعض بنوكها وشركاتها العقارية مع ضمان عدم خروج هذه المساعدات حدود الولايات المتحدة الامريكية بل فعلا اغلقت شركات كبيرة مصانعها العاملة في اوربا مثل اوبل وفورد في اوربا. فردت اوربا على هذا بحزمة مساعدات مالية فاقت ال 800 ترليون يورو لدعم دول الاتحاد الاوربي المتهالك. تاريخيا نجد ان الولايات المتحدة الامريكية لديها حساسية شديدة ضد اي كلمة اتحاد وتفعل المستحيل لضربه مهما كلف الثمن لعقدتها المتمثلة بان اي اتحاد سيكون من نتائجه الحتمية قوة اقتصادية تهوي بالعرش الامريكي من قمة الاقتصاد العالمي لكن هل نسوا الصين ام تناسوها ام كانت الصين المعادلة الصعبة في حسابات المشرعين الامريكان ؟ اكبر مَدين للولايات المتحدة الامريكية يشهر سيف الدَين بوجه الامريكان مع كلمة " مصنع العالم" التي تقشعر لها ابدان الامريكان والاوربين على حد سواء من مصير لامفر منه, هل يتركون الصين تنفرد بالعالم ام ..... ! 

خطة تطويق الصين لم تعد مخفية او سرية كما بدأت عام 1998 حينها صدق الكثيرين بشعارات الولايات المتحدة الامريكية بان كوريا الشمالية مصدر خطر والارهاب مصدر خطر وصدام مصدر خطر وايران مصدر خطر ناهيك عن طالبان والقاعدة الخ

لكنهم لايقولون ابدا ان الصين مصدر خطر صراحة فهذا قد يزعج التنين الصيني المعروف عنه بعدم عدائيته لاحد لكن ... لايداس له على طرف.

اسيا والمتمثلة بالصين وقسم كبير من روسيا والهند واندونيسيا وماليزيا وتايلند واليابان وكوريا الجنوبية لاتعاني من مشاكل اقتصادية في الازمة المالية العالمية الراهنة ابدا بل اقتصاداتها تنمو بسرعة اكثر بكثير من اقتصادات الدول العظمى نفسها مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا مما يخلق كفة ميزان مضطرب بالنسبة للغرب.  اخذين بنظر الاعتبار شيوعية الصين وروسيا التي يحكمها شيوعين سابقين بل محنكين مع جيل مابعد الحرب العالمية الثانية في اليابان وايطاليا وفرنسا وبريطانيا , بدأت الولايات المتحدة بخلق اعداء مضمونين للفكر الشيوعي في منطقة الشرق الاوسط باشعالها فتيل ما سمي وقتها " الربيع العربي" ممولة وعلنا ميليشيات وجماعات ذات اصول متطرفة عقائديا ودينيا مثل الجماعة الليبية المسحلة التي كانت تقاتل الامريكان في افغانستان حتى عام 2005 تقريبا وانتهى باكثر قادتها في غوانتنامو واشهرهم عبد الحكيم بلحاج الذي اطلقت سراحه امريكا نفسها وسلمته للقذافي كي يسجنه ثم اطلق سراحه سيف الدين القذافي ومن معه من المتطرفين كعفو خاص وبادرة حسن نية مع تعويضات باهضة الثمن لبدأ حياة بعيدا عن التطرف, ثم بليلة وضحاها انقلب بلحاج على القذافي بعد ان مولته امريكا نفسها وها هو اليوم على احد كراسي السلطة في ليبيا يقود ميليشيات متطرفة وفي مصر دفعت بحسني مبارك الى الاستقالة مع ضمانات بعدم المحاكمة ومولت تنظيم الاخوان المسلمين باموال سعودية وقطرية واماراتية ليصل الاسلاميون لاول مرة في تاريخهم الى دفة الحكم وكذلك في سوريا حيث خلقت ميليشيات دينية متطرفة بل وتسوق لهم فديوهاتهم على كل شاشات العالم وتصورهم على اساس انهم معارضة ضد نظام بشار الاسد رغم قتلهم المدنين في وضح النهار والذي ضمنه عدة تقارير للامم المتحدة ومنظمات حقوق الانسان حيث اتهمت الطرفين بانتهاكات لحقوق الانسان , وكذلك في تونس والمغرب واليمن والسودان ومالي وموريتانيا ولن تكون الجزائر من ذلك ببعيد فالحريق بدأت رائحته, لكن الروس والصينين قالو كلمتهم ... كفى يعني كفى.

عام 2001 كان من يقول كلمة " الله اكبر" يكون ارهابيا ومصيره غوانتنامو وفي عام 2011 من يقول " الله اكبر " يكون مظلوما ومناظل يتوجب الدفاع عنه وتمويله تغيرت الريح 360 درجة تمام خلال عقد من الزمن, هل من المعقول ان تنسى روسيا كيف مولت امريكا تنظيم القاعدة وطالبان بل خلقتهم ضدها في نهاية سبعينيات القرن الماضي كي تسقط التدخل العسكري السوفيتي في افغانستان ؟ ها هي اليوم تلعب نفس اللعبة لكن بحجم دولي وليس محلي كما صار سابقا. حلف الناتو بدأ بتمويل ودعم علني لهذه الميليشيات الدينية التي خلقها بنفسه بدءاً من دعمها لوجستيا وعسكريا من خلال الفيلق الفرنسي الخارجي المشهود له بالتدخل سرا وعلنا في نزاعات عسكرية كثيرة في المنطقة منذ القرن التاسع عشر مرورا بحرب عاصفة الصحراء الى التسلل ليلا الى بنغازي للقيام باعمال شغب مع تغطية اعلامية غربية وحتى سياسية عن طريق مجلس الامن المحتار بين الزعماء وسوقتها بانها مظاهرات سلمية ضد نظام القذافي الذي صرخ صرخته المشهورة بوجههم " من أنتم"؟ واتضح الان فعلا من هم ! ثم التوسع الى مالي ودعم تنظيم القاعدة هناك بطريقة غير مباشرة من خلال تسليم اسلحة الى الجيش المالي الضعيف جدا وبالفعل بعد اول منازلة بين القاعدة والجيش المالي سيطرت القاعدة على جميع اسلحة هذا الجيش بسهولة متناهية وفي وقت قياسي واخذتها غنيمة وبدأت بالسيطرة على مالي والانتشار في باقي الصحراء الكبرى لاقامة دولة اسلامية كبرى حسب ادعائهم و في دول حوض البحر المتوسط وشمال افريقيا عن طريق تنظيم القاعدة في المغرب العربي والذي له بصمات قوية في تفجيرات المغرب واختطاف غربين في موريتانيا. بان للعيان الان الهدف الغربي (امريكي- اوربي) وهو حرق الارض تحت الصين التي وجهت كل جهدها خلال العقدين الاخيرين للاستثمار في افريقيا وباغلى الاثمان رغم ان استثمارها كان اقتصاديا وسلميا وعلنا ولم يكن سياسا قط لكن الصين وروسيا باتت تشكل قوى اقتصادية ضخمة لايستهان بها ابدا مع مداخيل عالية جدا في وقت ترزح فيه اوربا وامريكا تحت وطئة اقتصاد منهار لايبشر بخير ابد بل لم يدخر رؤوساء بنوك كبار ومؤسسات مالية ضخمة وحتى مدراء البنك المركزي الاوربي وصندوق النقد الدولي لم يدخرو وسعا بتصريحهم علنا بان الوضع الاقتصادي من اسوء الى سيء ولا يوجد حل في الافق بل هناك كارثة في الافق القريب. ما الحل؟
لم ينسى الحلفاء ان الحل الجهنمي الوحيد والتاريخي دائما هو الحرب... لو رجعنا الى اسباب وظروف ماقبل الحرب العالمية الاولى والثانية سنجدها تتشابه تماما على ماهو عليه الان:
اولا خلل اقتصادي تام مع شبه شلل تام لاي نمو مما يبشر بانهيار كامل لجميع الانظمة الاقتصادية والاجتماعية التي بين عليها المجتمع المدني الاوربي والامريكي.

ثانيا احتقان ديني مع اختلاف بسيط ان في تلك الحروب كان الاحتقان الديني داخليا اي في اوربا لكن الان يعم العالم تقريبا فلانجد بقعة قريبة او بعيدة على وجهة الارض الان لايوجد فيها احتقان طائفي او عرقي فاوربا كما عبر عنها الفيلسوف الفرنسي اندريه گولكسمان ليست اتحاد انما دول مختلفة عن بعضها ويكره بعضها البعض بل وتنبأ بانهيار الاتحاد الاوربي قريبا. ناهيك عن ورطة اليورو الذي يترنح كل يوم وبعض دول الاتحاد الاوربي التي باتت مفلسة تمام وتنتظر الهروب بدَينها من الاتحاد نفسه, فبات الاتحاد الاوربي كسفينة على وشك الغرق والكل ينتظر من سيرمي نفسه اولاً  كي يتبعه الباقين حينما تكون الامواج أأمن من السفينة نفسها. ما يريده الحلف الغربي ( الاوربي الامريكي) هو انشاء ميليشيات دينية متطرفة في منطقة قريبة جدا على الصين وروسيا حيث هذه الجماعات والميلشيات تؤمن بفكرة او بتفاسير دينية مفادها انهم يجوز لهم تلقي الدعم من كافر من اهل الذمة او الكتاب ويتمثل هنا بدول اوربا والولايات المتحدة الامريكية لقتال عدو كافر ملحد ويتمثل هنا بالصين وروسيا تماما كما حدث في افغانستان حين جلست مرة في منتصف التسعينات مع احد مقاتلي مايسمى انذاك الافغان العرب وسئلته من اين كان الدعم والتدريب؟ فقال كان من امريكا عن طريق السعودية. فقلت له اليس التعاون مع " كافر " مُحرم ؟
فقال لي ان هناك فتوى معتمدة على احاديث لمحمد وايات قرأنية تبيح الاستعانة باهل الذمة اي النصارى ضد الكافرين الملحدين وهذا "حلال" .

لم ينتهي التاريخ يا مستر فوكوياما.. فالصين وروسيا ليستا دول ضعيفة ابدا ولم يكونا كذلك. الم يندحر هتلر على ابواب موسكو وهو الذي قضى على اوربا في اسابيع ؟

تجفيف منابع النفط امام الصين وروسيا باحتلال العراق وليبيا وايران لن يجدي نفعا كما فعل مع هتلر الذي هزمه نقص الوقود في العلمين وفي النورماندي وفي اماكن كثيرة وقد يكون ايضا لعب دور كبيرا في هزيمته امام الروس وثلوج روسيا التي لاترحم. لكن عقارب التاريخ الان لاتشبه الامس ابدا.

وللتاريخ نهاية جديدة.

               

          

 بلجيكا 2012