• رياض بدر

الدربونة


ولدي الحبيب ... قد يحين الوقت كي أرحل واترك لك عالما ليس كما كُنت ارجو لكَ فأعذُرني فهذا ليس باستطاعتي رغم إنها كانت اُمنيتي. فلم أستطع أن أحافظ على كُل الكُتب التي قرأتها وأنا في العشريناتِ من عُمري او الثلاثينات وكُنت أتمنى أن ترثُها أنت فقد بعتُ أكثرها في ظرف تكرر مائة مرة والباقي مركون على الرف لايعنيك مافيها فهي لزمان تعتقدُ أنهُ غير زمانكِمُ ولى ولَنْ يعود وستُطعِمُها بعدي للقمامة. لَمْ أستطع أن أجعلكَ ترثُ الحديقة التي كُنتَ تلعبُ فيها وأنتَ صغير وتقعُ مئة مرة وتضحك ولاتخف لأنكَ تعرفُ أن يدَ اُمُكَ ستنتشِلُكَ مهما سقطت فهذه الحديقة ذبلت كباقي الذكريات واستبدلتها بـ " كوفي شوب " يقدم اسوء قهوة وشاي شربته في حياتي لكنكم تحبونه ولا أدري كيف ! لَمْ أستطع أنْ اُثنيكَ عن مُسلسلاتٍ تتحدثُ العربية بطريقة الكترونية لَمْ أسمع أقبحَ منها فعذرا يا ولدي فاُذني دربها ونقحها مُدرس اللغة العربية الذي لَمْ أسمعهُ يتكلم معي بلهجتنا العامية كي لاتنهار هيبتهُ وهيبة اللغة. لَمْ أترُك لكَ " كاسيتات " تحوي أغاني موسيقاها أعلى من صوتُ مطربها كي يغطي فضيحة صوتهِ فأغانينا يا ولدي كانت صوتاً لايُمكن أن يتكرر والموسيقى نهراً عذِباً يسبحُ فيهِ صوتهُ ولا يغرق فيه كحال أغانيكم. ياولدي القلِق، الكئيب، الخائف، العصبي، الحزين والمتمرد رغم إنكَ تملك عشرة العاب الكترونية مختلفة و " فيسبوك" و " مسنجر" و" وخمسة إيميلات " لكنك لازلتَ غير مُقتنعاً ومتذمراً؛ فأنا لَمْ أكن أملكُ غير الدربونة فهي كانت مُجّمع العابي ومسرح مُراهقتي ومنبع كبريائي ومصنع رجولتي، ففيها لعبتُ " تصاوير" و "دعبل" وحتى “توكي" فقد كان الاختلاط ليس محُرماً ولا عيباً يا ولدي، حيث أخلاقُنا كانت فوق كلُ شيء. في الدربونة تعرفتُ على كُل الأصدقاء الذين لازالوا في حياتي ومنهم من سبقني وتركَ الدُنيا والذين لازالوا أحياء لَمْ أضع عليهم " بلوك " كما الأن تفعلون مع بعضكم البعض لأتفه الأمور، فالدربونة يا ولدي علمتني أن اركُض خلف كرة القدم بجسدي وقدمي لا باصابعي وان اُسلِمُ على جيراني بيدي لابـ “كي بورد" او " آي فون" فبيتنا لَمْ يدخُل فيه الهاتف يا ولدي إلا بعدَ أن أكملتُ الثانوية وكان والدي يجيبُ على كل المكالمات وليس مثلكم لا تجيبون على المكالمات ولا أدري لما تحملون الهاتف اذن! كان هاتفنا لايرن بعد التاسعة مساءً فهذا ازعاج بعُرفِنا يومها و والدي كان يُراقب بحذر برامج التلفزيون التي كانت أكثر أدباً كي يبقى راسهُ مرفوعاً بين اصحابه ولايخشى من تربيته لي. كانت الدربونة هي مدرستي الثانية فعلمتني كيف العب وكيف اتدبر امري وأحُلُ مشاكلي بنفسي ولم يكن الطبيب النفسي شيئاً معروفاً في مجتمعنا يومها. علمتني الدربونة كيف أرتجِلُ ولا أترجل واضحكُ ولا استكين وامشي وراسي مرفوعا انظر الى الناس بوجوههم حتى نبدئهم السلام ولم ندفنها بين سماعتي ال "هيد فون" في اذننا ولاندري من يمر بالقرب منا فذاك عيب مابعده عيب. لم استطع ان اقنعك بان تركب " باص المصلحة " او ال" فورت" ولمسافات طويلة كي تصل الى مدرستك آه لو كنتَ تدري كم هو لذيذ طعم " باص المصلحة " فقد تعرفتُ فيه على اصدقاء واناس عابرين زادوني من علمهم وثقافتهم وتارة من مآسيهم البسيطة انذاك ولم أكن مثلك مشغول بالـ " بالموبايل " ولا أدري مايدور حولي ولا ماسيحدث لي. اصدقائي حقيقين واخرجُ معهم واسمع لهم ويسمعون لي وليس اصدقاء الكترونيين لا ارهم إلا على شاشة ال " چات ". لَمْ أستطع أن أتركُ لكَ " دكتاتورا “يخشى عليك وعلى الوطن من الأعداء والاستعمار ويوفر لك الأمن كي تلعب كما تشاء لكني سأتركك مع “ديموقراطية" لا تخشى عليك من شيء وتفخخ لك كل شيء حتى لقمة العيش. كانت " طرمة " المدرسة هي أكبر وأجمل ملعب شاهدته في حياتي ولازلتُ اشتهيها كحليب اُمي. كان المُدرس يجول فيها اثناء الفرصة يراقب اخلاقنا ولا يدعها تخرج عما كانت في الصف فـ "الطرمة" يا ولدي كانت جزء من الدرس ولم تكن فسحة خارج قانون الصف كما هي اليوم والمُدرسُ أخشاه باحترام وليس كاليوم فهو يخشى ان يصطدم بأبن أحد الذوات من اصحاب الوزارات الملفقة وميليشيات المُرتزقة. كان مكتوبٌ في وسط جدار المدرسة معلقة احمد شوقي العظيمة " قِفْ للمُعلمِ وفهِ التبجيلا كادَ المُعلمُ أن يكون رسولا " ولم يكن على الجدار شعاراتٌ تمجدُ حضرة الفقيه ولا خاصرة السفيه ولم يكن التاريخ مزورا كالذي تقرؤون اليوم. فمدرستي يا ولدي كانت تريد مني ان اكون قدوة وان اكون رسولها في الناس وليس مثلكم اصبحت المدرسة بعبعاً تتمنون الخلاص منه فخرجتم جيلاً مهلهلا لايستطيع فك أزرار القميص ولا يحب قراءة قصيدة. لَمْ أستطع يا ولدي أنْ أتركَ لكَ وطناً وشعباً مِنْ اُسُود فدربونتنا كانت مليئة بالأساتذة والمعلمين والأطباء والمهندسين، مفكرين وضباطاً يحملون شرف الوطن في عيونهم وليس كاليوم ... وطنا ستعيش فيه غريب كانك من كوكب مفقود. فوطنكم اليوم تغير إسمهُ من بلاد مابين النهرين إلى بلاد ما بين الأمرين. لَمْ أستطع أن اُقنعكَ بان ناظم الغزالي وفؤاد سالم وحسين نعمة وحميد منصور وياس خضر واُم كلثوم وعبد الحليم حافظ هم رموز الغناء وكلنا نعرفهم ونسمعهم بلا تهريج ولم يكن لدينا لا " انترنيت " ولا قناة فضائية كي نصوت لمطربين يقترفون الأغاني بصلافة كما اليوم وتنسوهم في اليوم التالي لأنهم بلا طعم ولا لون ولا رائحة. فناناتنا كُنْ جميلات طبيعياً ولَمْ يكُن في وجوههن اي عملية تجميل ابدا فاذواقنا يا ولدي كانت من عنبر وريحان واذواقكم غادرت المعقول وادمنت التهريج. عُذراً ياولدي إنْ تركتُ لكَ وطناً لايملك نصبا تذكارياً او تمثالا يُخلدُ أحد عُلمائه او اُدبائه او فنانيه او مُناضليه العظام فكلها اُزيلت يا ولدي بأمر الـ " ديموقراطية " وصار البلد كله يُشبهُ " ساحة الأربعين حرامي " وحتى كهرمانة هجرتْ ساحتها وسكنت " جرمانة " عُذراً يا ولدي فانا لم أستطع ان افهم عصر الـ " بلاي ستيشن" لانني لازلت مبهورا بالتلفزيون ومالراديو منا ببعيد ولو قلت لوالدي رحمه الله أني أستطيع ان أبعث برسالة الى اي مكان في العالم خلال ثوانٍ من هاتفي لأتهمني بالجنون او السُكْرّ او يتهمني بالجيمس بوندية لدولة عميلة. أعذرني يا ولدي إنْ لَمْ أستطع أنْ أشرح لكَ مالفرق بين السُنة والشيعة فانا لَمْ أعرفها مِن قبل ولَمْ أكن اعرف ان اُمُكَ شيعية إلا بعدَ الـ " ديموقراطية" ولاهي كانت تعرف فضحكنا ونسينا. كان المناضلين ياولدي في زماننا معروفين ويتباهون بنضالهم وكفاحهم ولم يُغطوا وجوههم ولَمْ يُكمموا افواههم كاللصوص في هذه الأيام فالنضال ياولدي لَمْ يكُنْ عيباً ولَمْ يكُنْ " إرهاباً " كما يصفهُ الإعلام هذه الأيام. فبلادُنا كانتْ كُلها مناضلين وليس فيها مرتزقة بلا هوية. يا ولدي.. عندما أرحلُ عَنكَ تذكر إنَ بلادُنا أجملُ البلاد حتى في خرابها؛ فمنْ خربها ليس نحن بل مَنْ جاءَ بالـ "الأنترنيت " ومَنْ أخذ كرامتنُا هُمْ أنفسُهمْ مَنْ باعوكَ " البلاي ستيشن" وسلبوا قناعتكَ. يا ولدي .. هؤلاء هُم أنفسهم مَنْ جاؤنا بالـ " ديموقراطية " وأخذوا الدربونة

#الدربونة #العشرينات #الثلاثينيات #كاسيتات #احمدشوقي #قفللمعلم #الحديقة #العراقايامزمان #بغداد #مدارس

18 مشاهدة