السيسي وكعكة الاخوان




بعد 6 سنوات من اندلاع حرب اليمن اتضح بما لا يقبل الشك ان اليمن لم تكن سوى مستنقع سعودي – إماراتي فاندلاعها كان باكورة افتتاح حقبة بن زايد – بن سلمان اللذان يطلق عليهما في الغرب تسمية MBZ و MBS او المحمدين.

الحرب خاسرة بكل معنى الكلمة فلم يستطع لا الجيش السعودي والإماراتي من حسهما لصالحهما ولا حتى تحقيق أي هدف او منفعة في إبعاد أذرع إيران عن دول جوار المملكة العربية السعودية من خلال ولو التأثير على مليشيات الحوثي لكن بالتأكيد الخاسر والضحية الأكبر هو الشعب اليمني الذي حلت به أكبر كارثة إنسانيه مسجلة في العالم منذ الحرب العالمية الثانية.


البلدين اختلفوا عدة مرات ووصلت الأمور حد الصدام بين قواتهم في اليمن وتم تبادل إطلاق النار وشن غارات جوية ضد بعضهما البعض وسقوط قتلى من الطرفين حتى صارت كل دولة (السعودية والإمارات) تحاول جذب فريقا من الحكومة اليمنية الرسمية إلى جانبه لمعاداة الطرف الأخر، ففرط العقد، الأمر الذي كان في صالح الحوثي فهو أصلا ضد الحكومة بكل أطرافها.


صدمة بايدن


جاء بايدن فقطع الدعم الأمريكي العسكري اللوجستي المقدم للسعودية والإمارات في حرب في اليمن والمساعدات هذه كانت مهمة وكبيرة وفاعلة فقد حجمت فعليا من قوة الحوثي في ضرب أهداف داخل السعودية من خلال ذراعه الصاروخية التي كان يستطيع الوصول بها إلى العاصمة الرياض بل قد هدد حتى الإمارات.


فالاستمكان او الاستطلاع الجوي (المعلومات المقدمة من الولايات المتحدة عن طريق الأقمار الصناعية وطائرات الإنذار المبكر) كان يوفر معلومات دقيقة وفورية لمنظومة ثاد (Terminal High Altitude Area Defence ) THAAD المضادة للأهداف الجوية التي أنفقت عليها السعودية أكثر من 20 مليار دولار في اقل من سنتين كي تنقض الطائرات السعودية على أي محاولة خرق الأجواء سواء بواسطة صواريخ ارض ارض بعيدة المدى او الطائرات المسيرة المصنوعة في ايران, لذلك بدأنا نرى ان هذه الهجمات أصبحت تصل إلى العمق السعودي مباشرة بعد إيقاف الدعم الأمريكي للسعودية والإمارات وهذا ما أوضحه بايدن عند استهلال فترته الرئاسية وقد أشرت لتفاصيل ذلك في مقالة سابقة


الاستهداف الحوثي للسعودية لن يقف إلى هذا الحد ابدا فهذه الضربات ماهي إلا تجربة لضربات أوسع وأدق في المستقبل القريب فتطوير الصواريخ يكون بدراسة تأثير كل ضربة كذلك مدى فاعلية الطائرات المسيرة ثم تطوير المدى والدقة وهذه مسألة تطوير روتينية وستكون الدقة اعلى بلاشك في القادم من الأيام فالحرب في اليمن رغم رفع السعودية الراية البيضاء بعد الهجمات النوعية الحوثية لم تنتهي بالنسبة للجانب الحوثي حيث انه يشعر بعلو كعبه ولن يقبل بفرض الهدنة من جانب السعودية بل هو من سيعلنها إذا ما حقق أهدافه تماما وهذه هي قوانين الحرب, واضعين في الحسبان ان الحوثي هو ذراع إيراني وتستخدمه ايران كوسيلة ضغط وقد ثبتت نجاحها فكيف سيقبل بالهدنة!


بالإضافة إلى عامل مهم وهو ان ايران مازالت تعتبر اقوى دولة في المنطقة (الجوع يجعل من الكلب اكثر شراسة) وهي تدعم الحوثي وتدعم المليشيات العراقية المنضوية تحت امرتها مثل الحشد الشعبي وحزب الله العراقي وعصائب أهل الحق وغيرها وهذه لم يتم بناؤها اعتباطا وجاري تركيز قسم كبير من جهدها الحربي واللوجستي للمناطق القريبة من الحدود السعودية العراقية.


ومن ناحية أخرى هي ان الإدارة الأمريكية كانت خطتها ومنذ نهاية التسعينيات وبدأت بتنفيذها بغزو العراق هو وضع دول الخليج خصوصا السعودية بين فكي كماشة إيرانية لجر ايران من العباءة الروسية لكن يبدو ان الخطة فشلت فها هو العراق شمالا أصبح بيد إيران بالكامل واليمن كذلك وعلى رأس الخليج وأهم مضيق تقع سلطة عمان التي لا تود السعودية ولا تدين بدينها ولا للود أي محل بينهما سوى مجاملات إعلامية بل ان سلطنة عُمان أقرب إلى إيران سياسيا وعقائديا واقتصاديا منها إلى السعودية، أما الإمارات فهي بلد تتحكم فيه ايران بواسطة التلفون.


إذن حرب اليمن كشفت بل جسدت امرين أولهما معروف والثاني جديد كالتالي:


الأول: ان ما يسمى الجيوش الخليجية هي ليست سوى أسواق للسلاح الغير استراتيجي والتقليدي الأمريكي والغربي، ومن ناحية أخرى ان العبرة فيمن يستخدم السلاح لا في ثمنه او نوعيته، إذن هي جيوش من ورق لم تستطع الانتصار او أذية ميليشيات حتى في حرب درجة قوتها اقل من العادي بل تعتبر نوع من أنواع حروب بداية القرن العشرين الكلاسيكية والتي انتهى زمنها بانتهاء ام المعارك (حرب الخليج الثانية) عام 1991.


الثاني: صراع خليجي – خليجي لم يحدث من قبل خصوصا بين دولتين جارتين مثل السعودية والإمارات وهذا الصراع بدأ يجنح نحو الشخصنة أي بين المحمدين من جهة وبين عدة دول خليجية ضد دولة خليجية أخرى وهي قطر رغم إعلان ما يسمى المصالحة التي بقيت خبرا عاجلا في الإعلام وليست حتى حبرا على ورق فلم يتم توقيع أي اتفاقية ولم يرى أحد أي مصالحة ترقى لتكون رسمية او حتى جدية.



في حرب اليمن أعلنت دولتين عربيتين مشاركتهما فيها ثم انسحبتا بهدوء ودون ضجة إعلامية لأسباب منها خفي وهي مصر والسودان فالسودان حدثت فيه ثورة مدعومة من السعودية والإمارات (في سباق تنافسي بينهما) أطاحت بحكومة البشير وجاءت بحكومة مراهقين سياسيين لا يعلمون الف باء السياسة ولا الحكم ولا حتى الف باء نشيد الوطن, فالتخبط بأعلى درجاته منذ سنة وبزيادة مضطردة الأمر الذي جعل واقع الحال يقول "السودان إلى ضياع" هذا إن لم يكن قد ضاع فعلا ولم يخلوا الأمر من صراع سعودي - إماراتي في داخل السودان أيضا ولن يفلح بلدا يتصارع فيه متصارعون جميعهم أقوياء مثلما حدث في ليبيا والعراق والصومال وسوريا.


فقد ظنت كل من السعودية والإمارات بان الشعب السوداني سيكون عبدا مطيعا لهما بعد دعم الثورة الشعبية ضد البشير فإذا بالمراهقين الجدد يرتمون تحت أقدام إسرائيل متوسلين التعاون معها بل فتحوا أبواب السودان على مصراعيها لإسرائيل في رسالة واضحة للدول الخليجية.


الصياد يصيد بالصبر لا بالطُعم


كان اردوغان يتفرج بحذر شديد ودقة بل وعن كثب عما يدور بين ما يسمى دول مجلس التعاون الخليجي (لكنه فجأة انشأ قاعدة عسكرية تركية في قطر وهي ليست لصيد الأسماك او حماية قصور مراهق طويل) فبعد صبر طويل يبدو أن صبره قد نتج عن ظفر, وهذا الظفر من النوع التاريخي أي طويل الأمد وقد يغير مجرى التاريخ . . انها مصر.


الدُّردُورُ


نعم مصر، التي تكتوي بنار شظف العيش مع محاولات الرئيس السيسي لتحسين المستوى المعيشي للمصرين والحفاظ على هيبة مصر وهذين مهمتين ليستا بالسهلة ولكنها ليست مستحيلة أيضا.


كعادة رؤساء مصر (تاريخيا منذ عبد الناصر مرورا بالسادات ومبارك) عليهم أن يسبحوا بين تيارين متعاكسين لضمان عدم غرق مصر في أحد التيارين او ما بينها, اي وسط الدُّرْدُورُ (تيار قومي أي العروبة كانتماء مصري وتيار دولي مناقض للأول تقوده دول الخليج بقيادة السعودية) لا سيما ان التيارين قويين لكن كل الرؤساء المصريين اختاروا في نهاية المطاف التيار الذي يصب أموالا في مصر وليس الذي يصب تصفيقا.


الولاء المجاني للخليج لم يُغني ولم يُسمن عن جوع فالسيسي ملء مصر وعود وقسم منها تم تنفيذه فعلا فهي وعود جدية لكن ثبت له ان هناك وعود يجري محاربتها من الخارج لخلق مشاكل له وتزعزع سيطرته كي يبقى مرتبطا بالخليج، فقد تم الدفع بالأزمة الليبية لأبواب ومصر وكادت ان تسحب قدم السيسي لمستقنع ليبي لا أحد يعلم نتائجه (لضمان ولائه للخليج للحصول على مساعدات عسكرية ومالية) لكن استدار السيسي بحكمة عن هذا المستنقع في اللحظات الأخيرة وتفاداه بذكاء سياسي وليس عسكري.


كان وراء هذه الخلاخل حول وفي داخل مصر دول الخليج (قطر على وجه الخصوص) وتركيا أيضا، ولم يشأ السيسي ان يعلن ان الدول الخليجية قد تغير جلدها (في مكالمة هاتفية مسربة كشفت ان السيسي لا يكن احترما كبيرا لدول الخليج عدا كونها بقرة حلوب ويجب ان يستفاد منها بتعبيره الذي قال فيه "عندهم فلوس زي الرز") لكن لن تغير سُمها القاتل فقد سممت من قبل العراق وسوريا وليبيا، فهي مؤتمرة من قبل قصر باكنغهام وليست ذات سيادة أبدا، فكتمها السيسي في نفسه إلى حين.


مشكلة مصر الكبرى الغير خافية على ذي بصيرة هي سيناء والجماعات الإرهابية فيها فهي أكبر خنجر في خاصرة مصر منذ عقود وقد تم تجميدها وليس إخمادها في النصف الثاني من فترة حكم المخلوع حسني مبارك، ثم فجأة ثارت وبتمويل خليجي بعد ان تسنم السيسي مقاليد الحكم في مصر لجعلها ورقة ضغط عليه ونجحت إلى حد كبير.


فصار جزء لا يستهان به من الميزانية المصرية يذهب لتطوير الجيش لحماية مصر وتحجيم الجيب العميل في سيناء وهو جزء مادي كبير كان من الممكن ان يكون ذراع عون للسيسي في تحقيق وعوده الاستثمارية للمصريين، حتى جاء موعد انهيار أسعار النفط وحرب كورونا فاذا باقتصادات الخليج تبلع ريقها هلعا وتوقف بشكل كبير دعمها لعدة دول منها مصر بل بعض المصادر أكدت انه توقف نهائيا.


سأُعّرِج هنا قليلا على وضع الدول الخليجية النفطية رغم إني أفردت لها مقالة عن مصيرها قبل سنة تقريبا يمكن الرجوع اليها من خلال هذا الرابط، فهذه الدول أصبحت دولة تنتظر أجلها المحتوم حيث بات مستقبلها في مهب الريح وقسم منها ركع لإسرائيل ظنا أن إسرائيل تملك مفاتيح كنوز الكون فتنجدها فاذا بإسرائيل تطلق عليهم إيران وأذرعها بكل ما أوتي من قوة فالصياد لا يُقتل كلبه المطيع ابدا.


وسقط ترمب كي يأتي الديمقراطيين الذين لا يحبذون رؤية أسعار نفط عالية, ومخطئ مَن يظن ان إسرائيل هي نتنياهو فلوبيات الحكم ليست بيده وحده بل ليست بيده إطلاقا.



دول الخليج اقتصادات ريعية أي تعتمد فقط على واردات بيع النفط وكلف المعيشة وإدارة مرافقها تتطلب معدل أسعار فوق الخمسين دولار بقليل لكن أي دولار؟

انه دولار السبعينات والثمانينيات وقليلا من التسعينيات وليس دولار ما بعد 2010 حيث ان الدولار يفقد بريقه باستمرار منذ عقود والقوة الشرائية للخمسين دولار حتى قبل 10 سنوات اقل بكثير منها الآن وبانهيار مستمر فما بالك بعد 10 سنوات من الآن!


فوجدت نفسها من دول غنية إلى دول مدينة بل بعضها أشهر إفلاسه مثل البحرين والكويت وهناك الإفلاس السري مثل دولة الإمارات التي مازالت إمارة دبي فيها ترزح تحت ديون أغرقها فيها شيخها المتصابي محمد بن راشد الذي لم يغرق بديونه فحسب بل في دعاوى محاكم أوروبية ضده من قبل زوجته الهاربة من قصره وبناته اللاتي تطالب أوروبا بحريتهن بعد التثبت من اعتقالهن بطريقة تعسفية دون وجه حق هذه الصورة التي لا يعكسها الإعلام المدفوع ثمنه مسبقا عن (الازدهار) في تلك الإمارة التي تم بيعها بالكامل في مزاد دولي بعد إفلاسها عام 2009 بقيمة 3 مليارات دولار فقط حين بلغت ديونها اكثر من 113 مليار دولار دون الفوائد المترتبة على هذه القروض.


إذن أصبح المشهد، دول خليجية مفلسة تبحث عن مخرج ليس له وجود إلا في إعلامها الذي تعلم علم اليقين انه قد يُطمأن شعوبها لكن لن يغير من الواقع، وفي الجانب الآخر دول اعتمدت على ثروات الدول الخليجية في إخراجها من أزمتها مثل مصر لكن هي أيقنت أيضا ان هذا الحل أصبح غير واقعي إطلاقا، فما العمل!


كعكة الاخوان


رمى اردوغان بشباكه فاذا هي تغمز كما توقع فالشباك لا تخرج فارغة وان طال انتظار الصياد فهو يعلم انه يرميها في بحر ذي سمك وان كان على عمق بعيد فطعم السمك جدير بالمحاولة ولا صبر يعلوا صبر الصيادين.


قطع اردوغان الدعم عن الإخوان المسلمين فجأة وحجّم تحركاتهم بل وصلت لدرجة فرض إقامات جبرية وتحديد حركة على قيادات منهم داخل تركيا وإسكات الإعلام الموجه ضد مصر.


اردوغان يعمل منذ أكثر من عقد ونصف على إعادة الهيبة التركية سواء ما سُمي بالسلطنة او الهيبة العثمانية او الأحلام العثمانية وهذا مدعوم من قبل اسيا وبالذات من قبل الصين وروسيا فهو اصبح حليفا لهما رغم عضويته في حلف الناتو