تاريخ العالم والبلدان مدخل لجغرافيا العرب البشرية


خريطة العالم الإسلامي مع غلاف الكتاب

من لا يعرف التاريخ لا يعرف أي شيء وكي نعرفه يجب ان نسبر غوره والحذر من إننا وصلنا قعره فالتاريخ ليس له بداية ولن يكون له نهاية ونحن وما حولنا الآن نصنع التاريخ بحلوه ومرّه. كثيرُ مِن مدعي الإيمان والالحاد على حد سواء يعتقدون حد الوثوق إنهم يعرفون الكثير وعندما يُسالون عن التاريخ فحَّدث ولا حرج وإن اجابكم فسيجيبك كيف هو فهم التاريخ من وجه نظره الخاصة بقبيلته او دينه أي انه يُصرف الاحداث بمزاجية مطلقة وهذه مصيبة اما عندما تكتشف انه والتاريخ صنوان لم ولن يلتقيا فالمصيبة أعظمُ. يقدم المستعرب الفرنسي أندريه ميكيل كتابه القيّم هذا بمصادر معتمدة عالمية وعلمية يكشف فيه الكثير عن تاريخنا العربي بكل تفاصيله يضع النقاط على حروف تائهة وسائبة فهل من مُتلقي!​

يقدّم المستعرب الفرنسي أندريه ميكيل في كتابه "العالم والبلدان.. دراسات في الجغرافيا البشرية عند العرب" الصادر من مشروع كلمة، وترجمة الباحث المغربي محمد آيت حنا، وتقديم الشاعر والأكاديمي العراقي المقيم في باريس كاظم جهاد، خلاصة دقيقة ومكثّفة لفهمه لجغرافية البشرية لدار الإسلام منذ منتصف القرن الثامن الميلادي وحتى منتصف القرن الحادي عشر الميلادي.

وجوه ومصادر

هذه الجغرافيا التي يرى فيها ميكيل جغرافية بشرية، كلية وأدبيّة. جغرافية نقابل فيها، برفقته، عددًا هائلًا من الوجوه. أمامنا يتحرّك وينطق عبر النّصوص جغرافيّون وخرائطيون وعلماء بالكونيّات وأعضاء سفارات ورحالة وحجاج وتجّار وبحارة وسواهم. كما نقابل وفرة من المصادر، فالوثائق التي يعتمدها ويحلّلها لا تنحصر في الكتب، بل تشمل أدلة الحجّ والملاحة وتقارير مبعوثين وأقوال تجار وحكايات ملّاحين، عالجها هو باعتبارها شهادات لا على التاريخ الفعلي طبعًا، بل على إرهاصاتِ حقبة معينة، وبالتالي على تاريخ الذهنيات وتحولات المخيلة الجماعيّة. الكتاب يشكل خلاصة لأطروحة دكتوراه دولة صارت جزءًا أول من سفْر بأربعة أجزاء ضخمة تشكّل بمجموعها أحد أكثر الأعمال الغربيّة امتدادًا عن العرب، حملت العنوان الجامع "الجغرافية البشرية في العالَم الإسلاميّ حتى منتصف القرن الحادي عشر الميلادي"، وتوالى صدورها من 1973 إلى 1988.

ترجمة مكثفة

وبالرغم من كون هذا الكتاب ما برح موضع تداول وانتشار، وقد أعيد طبعه في عهد قريب، قرّر ميكيل أن يعيد سكبه في صيغة مكثّفة، موجّهة إلى الأدباء وعموم القرّاء، صدرت في 2001. وقد لفت الدكتور كاظم جهاد إلى أنه ليس من السهل اختزال مادّة كتاب يغطّي ألفَي صفحة إلى صيغة جديدة لا تتجاوز مائة صفحة ونيّف. بيد أنّ ميكيل، وبحسّ التكثيف المعهود عنده، نجح في الرّهان. إذ ركّز اختيار موضوعاته، من حيث مقاربة العرب للعالَم، على تصوّرهم للحدود والبحار والجبال والمدن؛ ومن حيث مقاربتهم للبلدان الغريبة أو الأجنبيّة ركّز على ما كتبوه عن الهند والصّين والقسطنطينيّة وروما وبقيّة أوروبّا. إضافة إلى ذلك أضاف المترجم نص درس ميكيل الافتتاحي في كوليج دو فرانس "نحو إعادة اكتشاف الأدب العربي الكلاسيكي"، وترجمة ثلاث دراسات أخرى تكمل "العالم والبلدان"، تتناول المجتمع العربي بعد القرن الحادي عشر الميلادي وتطورات الجغرافية البشرية المكتوبة بالعربية، فتكمل رؤية الأديب عمل الجغرافيين.

ولادة الوعي

في أول الكتاب ترجمة لنص درس ميكيل الافتتاحي في كوليج دو فرانس "نحو إعادة اكتشاف الأدب العربي الكلاسيكي" أكد فيه أن الاضطرابات التي تهز الوعي العربي منذ القرن التاسع عشر، دافعة إياه إلى التأرجح بين الوفاء إلى القرآن والوفاء إلى التاريخ، تلك الاضطرابات قد استوقفت اللغة العربية نفسها، لا فقط باعتبارها أداة، وإنما بوصفها مرآة يتعرف فيها ذلك الوعي إلى نفسه. كما بالأمس البعيد إبان العصر العباسي أيام ألفت نفسها للمرة الأولى في مواجهة مباشرة مع العالم، أحست هذه اللغة مرة أخرى بأنها مدعوة إلى أن تبذل جهدًا هائلًا، جهدًا نستطيع اليوم أن نقدر نتائجه. فمن المحيط الأطلسي إلى الشرق الأوسط، عمل التعليم والصحافة والإعلام على نشر الثقافة العالمية أو حتى المعلومة البسيطة، بلغة منفتحة على العالم ومعترف بها باعتبارها كذلك، من طرف الهيئات الدولية، لكنها في الآن نفسه، وعبر قواعدها النحوية والصرفية، التي لم تتغير في جوهرها، تظل شاهدة على الاستمرارية، التي كان جاك بيرك يقارنها بتلك الأرصفة المغمورة بالمياة، والتي يأتي البحر المتجدد دومًا ليضربها. أكد ميكيل أن الحوار الذي عقده طيلة خمسة وعشرين عامًا مع الجغرافيين العرب قد عمل شيئًا فشيئًا على تعزيز قناعته بأن نصوصهم تستطيع أن تفتح السبيل إلى إحدى زوايا النظر الموسعة التي تبدو حاجة ملحّة إلى الحالة العربية.. وقال: "هنا لا نصادف أي بتر: إذ نكون مدعوين إلى معانقة العالم بكامله، إلى معانقة الفضاء المعني بالمعنى الواسع للكلمة: فضاء الطبيعة وأعمال البشر".

نموذجان للحضارة

تابع "إننا نقارب هذا الفضاء منذ اللحظة التي شهدت نشأته، كما هو، حتى يومنا هذا تقريبًا، بعبارة أدق بين القرنين الثامن والحادي عشر الميلاديين، في العصر الذي ما إن تشكل فيه ذلك الفضاء حتى عمل وعي جمعي على تبنيه ووصفه وتقديمه والتفكير فيه". استرسل قائلًا "هكذا نكون قد حددنا قياسًا إلى الشعوب الأجنبية التي كانت دار الإسلام آنذاك تعيين اختلافاتها معها: الهند والصين، اللتين ربما كانتا ستشكلان للعربي نموذجين للحضارة لو كان أصابهما حظ الوحي، التركي، ذلك الكيان المبهم الذي قد يكون أخًا أو عدوًا محتملًا، في إطار تاريخ لم يكن سوى مغامرة تنتظر أن