• رياض بدر

ما سرّ إنهيار اسعار النفط !



المضحك المبكي في انهيار الأسواق الأمريكية والعالمية بشكل عام، اقتصادات تصف نفسها بالرصينة وأكبر من ان تنهار Too big to fail (مصطلح أمريكي) انهارت في لمح بالبصر وللمرة الثانية خلال 12 سنة ولم يكن وباء كورونا السبب الرئيس بل بفعل أسباب أخرى اقوى واهم من وباء حتما سيظهر له علاج لكن كيف سيعالج الاقتصاد العالمي أكبر ثغرة وضعف في تاريخه!

العولمة تتبلور وتتغير مع مجريات الأحداث فمنذ الأزمة المالية عام 2008 لم يعد الاقتصاد العالمي كما كان وفقدت بنوك تعتبر عريقة ورصينة سمعتها وصارت محط تساؤل وشكوك بل رقابة من قبل دول مستقلة كدول الاتحاد الأوروبي وليس الولايات المتحدة التي تتحكم بها هذه البنوك التي تسببت بالأزمة.

قواعد اللعب تتغير بمرور الزمن ولا أعني الزمن الطويل بل لا يتعدى العشر سنوات فأسطورة العرض والطلب مثلا المسؤولة عن تحديد سعر النفط بدت بالتلاشي منذ منتصف الثمانينات واختفت نهائيا بعد عام 1990 حيث بدأت عوامل أخرى تتحكم في السوق منها المضاربات في البورصة التي يشكل البنوك ثقلها فتدخل هذه البنوك بعمليات شراء او بيع بمبالغ خيالية قالبة الطاولة على راس من تريد ورافعة من شأن الذي تريد بسهولة متناهية مهما كان العرض والطلب او حالة السوق.

بعد الأزمة المالية في عام 2008 التي تسببت بها عمدا الولايات المتحدة الأمريكية (هناك تقارير عن تواطئ لوبيات مالية أوروبية أيضا) بعد انهيار بنك الائتمان العقاري ليمان برذرز Lehman Brothers وما أصدره من ضمانات فاسدة لقروض خطرة جدا بل قروض غير قانونية أصلا ولم يُعاقب عليها أي بنك عقوبة قانونية موجعة إطلاقا بل استمروا فيما هم عليه مغيرين قواعد اللعبة لصالحهم كالعادة, ظل هناك خلل خطير في الاقتصاد العالمي وهو بقاء هيمنة الولايات المتحدة على المشهد وان كانت العولمة لا تعني هيمنة قطب معين فكانت كالعادة أمريكا تفرض رايها وقوتها على المشهد وتتصرف كأنها دولة وحيدة في العالم وباقي الدول توابع ومادام هناك قطب أوحد فالمشكلة التي تسبب بها ستتكرر بكل تأكيد.

تطاولت الولايات المتحدة على روسيا في عدة مواضع منها إخراجها لأسباب سياسية من مجموعة الثمان الكبار بسبب ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014 وإفشال خطة حلف الناتو في السيطرة على محيط البحر المتوسط والسواحل المقابلة (شمال أفريقيا وشرق المتوسط) فتم فرض عقوبات اقتصادية شديدة على روسيا الأمر الذي أدى إلى شبه انهيار الروبل والاقتصاد الروسي حيث فقد الروبل تقريبا 40% من قيمته فردت روسيا على ذلك بالتحالف مع السعودية في عام 2016 وأغرقوا سوق النفط لخفض الأسعار الذي أضر بشكل كبير شركات استخراج النفط الصخري الأمريكية بل اغلق قسم منها بعد ان هبط سعر برميل النفط إلى مستوى 36 دولار للبرميل وتم تسريح عشرات الألاف من العمال الأمر الذي صب أيضا في مصلحة حملة ترمب الانتخابية بعد ذلك وضرب الديمقراطيين في مقتل حيث ان الولايات المتحدة باتت المصدر رقم 1 للنفط في العالم لكن قوته في شركات النفط الصخري حيث يشكل اكبر نسبة من النفط المنتج في الولايات المتحدة ( وصل إلى 63% من النفط المُنتج في أمريكا عام 2019)

النفط الصخري الأمريكي كان بالفعل عامل مؤثر في إغراق السوق إلى حد معين من جهة وزيادة حصته في السوق من خلال الاستحواذ على زبائن جدد، فبغباء مدقع شكل إنتاج شركات النفط الصخري وعدم التزامهم بمستويات الإنتاج مستترين بكونهم من خارج أوبك شكل ردة فعل طبيعية تمثلت بظهور كارتل من أكبر منتجين للنفط وهما المملكة العربية السعودية وروسيا للعمل ضد هذه الشركات سمي بأوبك بلص Opec plus (أعضاء أوبك +10 دول) بضمنها المكسيك الدولة النفطية المجاورة للولايات المتحدة.

وقعت المملكة العربية السعودية وهي عضو مؤسس في أوبك مع روسيا معاهدة تعاون في موضوع السيطرة على إنتاج النفط ومن ثم أسعار النفط تحسبا لوصول الولايات المتحدة الأمريكية كأكبر منتج للنفط كما تعهد بذلك أوباما وقد أصبحت فعلا أكبر منتج للنفط في العالم.

قامت الولايات المتحدة في شهر كانون الأول ديسمبر 2019 وبتهور أخر بمعاقبة روسيا من خلال فرض عقوبات على الشركات العاملة ضمن خط السيل الشمالي Nord stream 2 وهو خط أنابيب لنقل الغاز إلى أوروبا مما أدى إلى تأخر الإنجاز وليس إيقافه في محاولة منها لضرب اقتصاد روسيا وإبقائها بعيدا عن أوروبا ثم عاجلت روسيا بعقوبات إضافية في شهر شباط 2020 ضد اكبر شركاتها النفطية روس نفت وهي اكبر شركة إنتاج نفطي متكاملة في العالم وذلك بسبب الدعم الذي قدمته الشركة لفنزويلا رغم الاعتراضات الأمريكية التي أرادت إسقاط نظام مادورو فيها وفعلا تم إنقاذه من قبل روسيا.

هذه العقوبات لم تكن روسيا لتتلقاها وتبقى ساكتة لكن الدب الروسي كان هادئا جدا هذه المرة ويخطط لأمر تاريخي جلل مع حليف للولايات المتحدة لكنه غاضب عليها.

قبل ان ادخل فيما خططته روسيا يجب الإشارة ان روسيا قامت ومنذ بداية العقد الفائت بإنشاء صندوق احتياطي لدعم الميزانية في حالة انهيار أسعار النفط بلغ حجمه لحد الأن 550 مليار دولار.

هذا الصندوق يستطيع دعم الميزانية الروسية لمدة تزيد على 20 سنة إذا ما انهارت أسعار النفط لمستوى 20 دولار للبرميل. كذلك للمملكة العربية السعودية صناديق مشابهة واحتياطات مماثلة لهذه الأغراض غير الصندوق السيادي البالغ حجمه تقريبا 800 مليار دولار.

شهدت السنوات الأخيرة تقارب روسي سعودي كبير خصوصا مع صعود نجم ولي العهد محمد بن سلمان وأيضا تقارب سعودي أمريكي حيث كان ظاهريا ان ترمب يدعم محمد بن سلمان ولعل أبرز دعم كان في موضوع مقتل الإرهابي الصحفي جمال الخاشوگجي عضو تنظيم الإخوان في تركيا.

لكن تأتي روسيا بما لا يشتهي البيت الأبيض, فقد ظن البيت الأبيض ان كل خيوط الشرق الأوسط لازالت في يده متناسيا ان الولايات المتحدة الأمريكية شريك غير مرغوب به في الشرق الأوسط لا شعبيا ولا على مستوى الرسمي فقد بات ترمب يماطل في موضوع القضاء على نظام الملالي والذي تعهد بإزالته منذ بدأ حملته الانتخابية ولم ينفذ الوعد رغم العقوبات بل صار يضغط على العرب لقبول صفقة القرن بل مهزلة القرن التي كتبها صهره الفاشل خريج هارفارد والتي تستطيع اصغر سكرتيرة تنفيذية في شركة متوسطة ان تكتب خطة افضل منها بعدة مرات وبالفعل تم رفضها بل حتى الاتحاد الأوروبي لم يبد أي تفاؤل تجاهها واحترام او حتى دعمها فهي كانت مهزلة بكل ماتعني الكلمة. (تكرر فشل صبي هارفارد قبل أيام حينما زود ترمب بتقرير خاطئ عن وضع وباء كورونا في الولايات المتحدة مقللا من شانه الأمر الذي أدى إلى انتشاره في كل الولايات وتتجه أمريكا الأن إلى درجة الانهيار الصحي)

فجاءت لحظة الحقيقة بعد أن ملت المملكة العربية السعودية من هذا التلون والتردد من قبل الولايات المتحدة وعدم مصداقيتها خصوصا تجاريا وتحمل عبء تقليص الإنتاج الأكبر على عاتقها دائما لاسيما بعد ان فتح ترمب حربا تجارية ضد الصين الدولة الأقوى عالميا في الصناعة والتجارة والجيش فكان لابد من ضربة رجل واحد تسقط الصقور من علوها الخادع فقد ثبت ان هذه الصقور قد شاخت.

خرجت روسيا من اجتماع لأوبك بلس في فينا ولم توافق على خفض الإنتاج لزيادة أسعار النفط بعد بدأ انتشار فايروس كورونا في الصين وكان الوباء في بدايته والذي ضرب الصين فهبط مشتريات أكبر مشتري للنفط لكن اقتصادها لم يتضرر أبدا وكان خروجها من الاجتماع غريب جدا فالاتفاقية بينها وبين السعودية سارية المفعول ولم يكن هناك أي إشارة تدل على وجود غيوم في العلاقات لكن التبرير الروسي كان هو ان خفض الإنتاج بنصف مليون برميل يوميا قد يفقد روسيا زبائن كبار ويقلل من حصتها وهي حجة ليست مقنعة ولا تجارية ولا إدارية إنما تكتيكية.

ردت السعودية بعد الاجتماع برفع الإنتاج وليس حتى الإبقاء على مستوياته وتخفيضه من قبلها على الأقل إذا كانت فعلا لم تتقبل الموقف الروسي ثم جاوبت روسيا بنفس الطريقة ورفعت الإنتاج فأودت بالأسعار إلى مستوى 40 دولار للبرميل.

اتصل ترمب بمحمد بن سلمان في محاولة منه لكبح جماح انهيار الأسعار فالولايات المتحدة الأن اكبر منتج للنفط وهبوط الأسعار لا يخدمها كما كان الحال في السابق فكما ذكرت ان الولايات المتحدة أصبحت اكبر منتج للنفط أنما بفعل النفط الصخري وليس النفط العادي وان أي هبوط لسعر البرميل إلى مستوى 40 دولار او ما دون فسيتسبب بإغلاق شركات النفط الصخري تماما بل خروجها من أسواق النفط فهي تجني الأرباح فقط بمعدل سعر البرميل ما فوق الـ 50 دولار بل بعض الشركات لا تحقق أرباح دون الـ 60 دولار فقالت بعض المصادر ان المكالمة انتهت بغضب من قبل محمد بن سلمان ورفعت السعودية الإنتاج تارة أخرى مباشرة بعد المكالمة هذه اعتبارا من الأول من نيسان/ أبريل 2020 فهوت بالأسعار إلى ادنى مستوى لها في 30 عاما ووصلت إلى ما دون 30 دولار للبرميل بل لامست الـ 24 دولار للبرميل فكانت ضربة معلم للصقور. (الأسعار متوقع أنها ستنهار إلى مستويات 18 دولار للبرميل)

تفاقم تخبط الدول العظمى لا سيما الولايات المتحدة في التعامل مع وباء كورونا ووصل التخبط حد تبادل الاتهامات ببين الولايات المتحدة والصين بنشر الوباء واستعرت نظريات المؤامرة في ذلك في حين ان الواقع يقول ان الطرفين متضررين بل اكبر المتضررين من الوباء رغم ان الصين بدأت تحقق نجاح باهر في السيطرة على انتشار الفايروس مع اقتصاد هادئ بلا انهيار ولو حتى بسيط لكن يبدو ان الولايات المتحدة متجهة إلى الانهيار فالقطاع الصحي فيها فاشل لدرجة انه تبين ان نتائج الفحص لمئات الحالات لم تكن صحيحة جراء قدم وعدم كفاءة الأجهزة التي تم استعمالها لقياس درجة حرارة المشتبه بإصابتهم فقدمت الصين مساعدات ضخمة تمثلت بأجهزة طبية حديثة ودقيقة لمساعدة المستشفيات الأمريكية لتشخيص الإصابات (لكن يبقى موضوع عدد الأسرة المتوفرة اعتقد انه سيكون فضيحة الموسم بل التاريخ إذا ما لم يتم السيطرة على الفايروس خلال اقل من شهر)

ضخ الاحتياطي الفدرالي أول عملية تيسير كمي Quantum easing لهذه السنة بمقدار 700 مليار دولار فاذا بالسوق ينهار بصورة اكبر وخسرت مؤشرات البورصة الأمريكية كل ما في جعبتها من إنجازات طيلة عقود بل ان الخسائر فاقت مستويات الاثنين الأسود عام 1987 بل وصل الأمر أثناء كتابة هذه السطور بان تبخرت الـ 700 مليار ومن ثم تم ضخ تقريبا 200 مليار أخرى فتبخرت باستمرار انهيار السوق ثم تم الإعلان عن ان ترمب سيطلب مبلغ تقريبا 700 مليار دولار لتنشيط السوق والشركات المتوسطة والصغيرة وإعطاء شيكات إلى المواطنين الأمريكيين المتضررين لكن مؤشرات السوق أبت إلا ان تستمر في الانهيار فتبخرت تقريبا زهاء 2 تريليون دولار في اقل من يومين ولازال النزيف مستمر حيث اعتقد الاحتياطي الفدرالي ان الحالة مشابهة لكارثة 2008 ولم ينتبه إلى ان الكارتل الذي تشكل ضدهم اكبر من ان يُهزم بخطة غبية اسمها التيسير الكمي والتي لا تساعد إلا الأثرياء حصرا الذين لا يتأثرون بالانهيارات بقدر كبير بل انهم يستفيدون من الانهيارات هذا من جهة ومن جهة أخرى ان المزاج السيء للمستثمرين والسوق اقوى واكبر من ضخ أموال لانعاش أسواق بورصة تنعم بالمضاربين لا بالمستثمرين الحقيقين ولا اعتقد ان الاحتياطي الفدرالي لا يعلم هاتين النقطتين المعروفتين في تقييم حالة السوق.

لن يعود الاقتصاد العالمي كما كان عليه قبل شهر أذار/ مارس 2020 وباتت الولايات المتحدة في مهب الريح فعلا ولن تنجوا حتى تذعن هذه المرة لحقيقة ان سوق النفط هي مجرد تلميذ تابع والقول الفصل للكبار فقط وما لذلك من تبعات حتما ستجعل ترمب يوافق عليها مرغما فالبقاء للأصلح وليس للأقوى.