top of page

مَن ياتيني بوجه فوكوياما الان !



عند وقوع الاحداث الكبيرة والتاريخية لا سيما السياسية, فيجب النظر الى واقع ما بعد الحدث اي ماهو المشهد التالي, فالحدث لم يكن وليد اللحظة انما هو نتيجة لما سبقه من ظروف، لكن دراسة وفهم ما قد ينتجه هذا الحدث هو الاهم فهو المستقبل الذي سنعيشه ونراه حتما.


هزيمة الولايات المتحدة (ليست الاولى في تاريخها الحافل بالهزائم) الان في افغانستان وقبلها في العراق وسوريا ومن قبل فيتنام لن تمر هذه الهزيمة مرور الكرام (قلب وفبركة الحقيقة كما حدث بعد فيتنام وبطولات رامبو الهوليوودية التي لاوجود لها حيث لم يكن وقتها موبايلات توثق كل شيء) وينتهي عند مشاهد مصورة وتحليلات لا تعكس سوى ميول واتجاهات المحللين ليس لها من الواقع اي نصيب سوى طرف يبرر وذاك يتشمت وطرف اخر يدعي انه يبررويحلل الهزيمة وهي انواع التحليلات التي تتوفر بكميات مبتذلة لانها مجانية على منصات الاعلام ومواقع التفاصخ الاجتماعي.


تتفكك الامم والدول العظمى اسرع من الصغرى بعد الهزائم حصرا, فلم يسبق لدولة او امة تفككت من تلقاء نفسها مالم تدخل في حرب او سلسلة حروب يغرها الانتصار الاول او البحبوحة الاقتصادية فاذا بها تودي بنفسها لاستنزاف بشري وفكري واجتماعي ومادي فلا بعدها سوى الطوفان والاندثار والامثلة التاريخية شاهدة ولم ولن يحيد عن هذا احد.

بنظرة استراتيجية شاملة وبعيدة مع الاخذ بنظر الاعتبار النتائج الحتمية التالية لهذه الهزيمة ضمن سياقات التحليل المهني والغير عاطفي سنجد ان الشارع الامريكي المُثخن بجراح العنصرية والاقتصاد والفبركات الاعلامية (ضد دول معينة انفضحت فيما بعد انها كاذبة بتعمد ادت لشن حروب) سوف تظيف عليه هزيمة افغانستان النكراء جرح لن يندمل بل سيكون شرارة تغيير وقد تكون شرارة تفكيك.

ليس لدى صناع القرار في الولايات المتحدة اي تبرير مقنع (لشعبهم المفكك عرقيا والمنقسم سياسيا على نفسه اصلا) لهذه الهزيمة النكراء التي ستكون بل اصبحت اكبر هزائم امريكا في تاريخها فهي اكبر واكثر ذلا من هزيمة فيتنام فهذه المرة ضد مجموعة مقاتلين حركة طلابية تاسست في باكستان وجَرّت الولايات المتحدة لمستنقع لم يخرج منه الاتحاد السوفيتي بعظمته إلا اشلاء وانتهى الى الابد بل كادت الحرب الاهلية بعد الانسحاب من افغانستان ان تشتعل في روسيا رغم انهم شعب ذا اصل واحد تقريبا وكانوا يخضعون لنظام واحد وليس لديهم احزاب واراء متفرقة, وليس كالشعب الامريكي المؤلف برمته من مهاجرين اصبح غالبيتهم في العقد الاخير يبحث بل يدعم هويته الاصلية بالاضافة الى التناحر بين الولايات نفسها ولاسباب عنصرية واقتصادية وقانونية.


ارادت امريكا ان تسحب بوتين لمستنقع في سوريا نسيت او تناست انها اصلا في قبضة مستنقع افغانستان الامر الذي وعيه جيدا بوتين وقد ذكره صراحا بعد ارساله لقوات روسية الى سوريا عام 2015 حيث وجه رسالة للادارة الامريكية قائلا " لن نقع في افغانستان جديدة " فاذا بالولايات المتحدة تغرق اكثر في افغانستان ولعل قرار بوتين في ارسال قوات روسية الى سوريا لاشغال وايهام الادارة الامريكية بانه قد بلع الطُعم في سوريا فلا ينسحبون من افغانستان الا بهزيمة مذلة حيث كان هناك حديث ونقاش في الولايات المتحدة عن ضرورة الانسحاب من افغانستان, ومن ناحية اخرى اعطى دعم لنظام بشار الاسد وبالفعل جلس في السلطة ليومنا هذا رغم ان بوتين كرر تصريحاته بانه لا يدعم بشار بل مصالح روسية في سوريا.


لن تبقى الولايات الامريكية متحدة وهذا هو الاكيد، بل ستعود كما كانت، فما كان يوحدها انتهى وهو القوة والانشغال في حروب خارجية ( لن تستطيع امريكا شن حرب على بعوضة بعد الان) ومخطئ من يظن ان الاقتصاد القوي والكبير يوحد شعب ورغم ذلك فان اقتصادها يتهاوى وسيصبح اثر بعد عين, فالاقتصاد الذي يعتاش على طبع الاموال (التيسير الكمي مستمر منذ 2008) لن يستمر طويلا ولن يثمر غير ديون عامة وعملة تترنح ولن يحترمها الاقتصاد الدولي, فليس كل مَن طبع النقود يعتبر اقتصاد متين يُعتمد عليه, اما التكنولوجية فستهاجر بعد ان يصبح الدولار في الحظيظ ولن تجد هذه التكنولوجيا عوائد مجزية او حتى مقنعة كي تستمر في الولايات المتحدة وهنا نتكلم عن قواعد اقتصادية وليس اراء فالتكنولوجيا مؤسسة ربحية وليست جمعية خيرية او حزب وطني.


رأس المال جبان والصناعة بلا مال مجرد كلام واسهم الشركات ستهوي ما ان يبدأ ضيق تنفس هذه الشركات, فالتضخم بدأ يضرب الاقتصاد الامريكي منذ اسابيع وبوتيرة غير مسبوقة, فالاحتياطي الفدرالي الذي كما ذكرت في مناسبات كثيرة قد طبع وانفق اكثر من 10 تريليون دولار خلال 18 شهرا في السوق الامريكي (ومؤخرا تم المصادقة على قرابة 2 تريليون دولار لاصلاح البنى التحتية المهترية) بطريقة التيسيرالكمي quantitative easing التي ما ان حلت في اقتصاد الا هشمته مثلما حدث مثلا في زمبابوي في بداية الالفية والتي قادت الاقتصاد الى الانهيار كذلك حدث في المانيا في العشرينات عندما طبعت المارك فقادت البلد الى الحرب العالمية الثانية لاسباب اقتصادية, فهي اموال رخيصة وبلا عوائد عالية وتسهم في خفض الفوائد بشكل كبير وقريبة من مستويات الصفر, واذا ما اريد سحبها بعد فترة (وهذه هي خطتهم المعلنة) عندها لن يكون هناك شيئا اسمه قيمة لهذه الاموال بالاضافة الى استحالة سحبها دون تعويض حقيقي والتعويض الحقيقي يكون بنمو اقتصادي قوي ونوعي سريع ومستمر مع انخفاض البطالة الى مستويات عالية, وهذا ما لا يتوفر الان ولا في القادم من الشهور في الولايات (المتحدة) الامريكية فحرب كورونا مستمرة وها هي تتعرض لهجمة بايولوجية جديدة قبل ايام وعادت المستشفيات للاكتضاض وهذه المرة تم استهداف فئة الشاب اي الايدي العاملة الاكثر انتاجا.


الدول العظمى اخذت تسميتها هذه ووضعها بعد الانتصار على النازية والفاشية في الحرب العالمية الثانية, اي بعد تحقيق انتصار حقيقي ثم بناء اقتصاد حقيقي متين من خلال تنوعه وتطوره وشراكاته بين اوروبا والولايات المتحدة وحتى اليابان, فعند المقارنة بالواقع الان سنجد ان هذه الدول وخاصة الولايات المتحدة هي من هزيمة الى هزيمة وكما ذكرت سواء هزيمة عسكرية او اقتصادية, فقد اصبحت حكومات تسيير اعمال وترقيع ازمات اقتصادية التي تمر بها والاستنزافات السياسية التي حشرت نفسها فيها وخسرتها كلها دون استثناء سواء التدخلات في بلدان صغرى من العالم الثالث او استنزافها في حملات ضد دول من العالم الثاني كاوكرانيا وهنغاريا وبولندا الخ, ومع ذلك تحاول الولايات المتحدة فصل الصين عن العالم وهذا يفقدها مرونتها الاقتصادية التي قامت عليها ويقوي موقف الصين التي لم تخدع اوروبا في حشرها في حروب خاسرة.


اصبحت هذه الدول (العظمى والمتقدمة وبالاخص الاوروبية) منشغلة بامور لن تزيد من رقعتها الاقتصادية في المستقبل ولا تدخل الارباح في خزائنها بل اصبحت دول مستنزفة بالكامل ومشغولة بمطاردة شعبها لاخذ لقاحات فاشلة بل خطرة ضد فايروس كورونا وتطاردهم لوضع كمامات وتباعد وتطاردهم لفرض احترام نشر المثلية الجنسية وحقوق المرأة التي هي غير مغبونة اصلا في المجتمعات الغربية, في حين ان طلابها الذين سيقودون هذه الدول يوما يعانون من امراض نفسية خطيرة (على سبيل المثال في فرنسا 40% من طلاب الثانوية يتناولون ادوية نفسية بالاضافة الى المخدرات) وهكذا الحال في باقي ما يسمى الدول العظمى و المتقدمة التي من الواضح انها اصبحت متقدمة على المتخلفين كمقياس لا كقيادة.


فهل بهذا الوضع المزري ستبقى هذه الدول عظمى وتقود العالم !


بل من المثير والغريب ان استطاعت هذه الدول ان تدير ولو شؤونها اليوم وغدا!



ملاحظة: العنوان قصدت به المدعو فرانسس فوكوياما وهو امريكي من اصل ياباني اي انه يبحث عن هوية, الذي اجزم في كتابه المهزلة "نهاية التاريخ" عام 1991 بان الولايات المتحدة ستظل عظمى وتقود العالم الى الابد, الامر الذي اثبت فشله وان فوكوياما اغبى مَن مشي على اثنين فوق سطح الارض.



تحيتي


٢٤ مشاهدة٠ تعليق

منشورات ذات صلة

إظهار الكل