هل تختبئ الرصاصة بين سطور ايميلات هيلاري كلينتون!




كلما ترك أحد أعضاء إدارة ترمب عمله على نحو غير متوقع او تم فصله وطرده من البيت الأبيض فإن أول عمل يقوم به هو نشر كتاب ضد ترمب مدعيا انه يكشف أسرار خطيرة ستودي بترمب وإدارته ثم تنتهي الضجة بانها طريقة تسويق لكتاب عقيم لتعويض ما فقده من مرتب لسنين قادمة جراء طرده.


هذه الكتب لم تتعرض أبدا لأسرار خطيرة كما ادعى أصحابها بل كانت عبارة عن ثرثرة وآراء محدودة جدا لأمور إدارية صغيرة وأكثرها تافهة تحدث عادة في أروقة القصور الرئاسية في كل زمان ومكان بل هي روتينية بحتة لا جديد فيها سوى إرضاء فضول قراء سذج يبحثون عن المثير كما يبحثون عنه في أي مسلسل بوليسي.


أكاد أن اجزم (واخص مَن انفصل عن إدارة ترمب لحد هذه اللحظة) بأن كل مَن كتب هكذا كتب يسعى لنيل مكافأة نهاية الخدمة قبل موعدها لأنه تم طرده او إنهاء خدماته قبل إكمال عقده، ولن نجد فيها أي سر ذو قيمة لسببين:


1. إما انه ليس بالشخص الغير المفصلي (لا يتمتع بقوة وقبول في وضع القرارات الاستراتيجية وذلك لقصر نظره او لكون منصبه لا يتطلب منه هذا) في الإدارة اي بعيد عن التخطيط.

2. انه يعلم ان الأسرار الحقيقية التي اطلع عليها إذا ما كشفها ستكون حياته ثمنا لها.


واذكر هنا قضية مايلز كوبلاند الذي نشر كتاب لعبة الأمم في سبعينيات القرن الماضي رغم انه كان متقاعد من عمله في المخابرات الامريكية منذ منتصف الخمسينيات والذي فعلا كان فيه أسرار خطيرة استدعت الإدارة الأمريكية ان تتدخل بكل قوتها حينها لسحبه من المكتبات في العالم بل ضغطت على دول كثيرة لمنعه وقد منع فعلا من دول عربية عديدة منها العراق وتم نشره على مستوى محدود جدا داخل الحكومة العراقية بنسخة مطبوعة على ألة الطابعة القديمة لدرجة ان حجم الكتاب اصبح A4 وبما يزيد على 500 صفحة ومجلد بجلد اسود سميك مكتوب على الصفحة الأولى منه " يوزع على مستوى أعضاء قيادة قطرية فقط" لكن الكتاب انتشر في العالم العربي على نحو ضيق وبالذات بين المعارضين لحكومات عربية وأيضا بعض المثقفين والصحفيين وهذه الطبقات قليلة العدد والتأثير في الوطن العربي, وتم ترجمته وطباعته في لبنان في طبعة واحدة وحيدة على ما اعتقد وتم إعادة طبعه في بداية القرن الحالي لكن . . مَن يقرأ من العرب!

مايلز كوبلاند الذي كان عنصرا فعالا في العديد من الأقسام والأجهزة الاستخباراتية الأمريكية منذ نشأتها الأولى حتى تم ضمه إلى وكالة المخابرات الأمريكية في عام 1945 وكان مسؤولا مباشرا عن سياسات الشرق الأوسط لا سيما العربية بالذات وخطط بل شارك بنفسه في عدة انقلابات ومفاوضات سرية ولعل أكثر ما يميزه هي علاقته الشخصية والقوية بالزعيم المصري جمال عبد الناصر حيث كان يزور الأخير في بيته زيارات غير رسمية وبحضور أفراد عائلة عبد الناصر.

سبّبَ كتابه الذي نشره بان قامت الإدارة الأمريكية بوضع قانون يحتم على أي مسؤول عدم نشر كتاب او مذكرات حول خدمته إلا بعد موافقة خاصة من إدارة البيت الأبيض كي يتم تنقيحها ومراجعتها إلا يكون فيها تسريب معلومات كما حدث مع كوبلاند وإلا لكان افضل من يكتب وينشر هو هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق الذي صاغ اكثر سياسات الولايات المتحدة الخارجية الدقيقة والمفصلية لحقبة طويلة امتدت من نهاية الخمسينات الى بداية هذا القرن وان كان ما يزال يعتبر مستشارا غير مباشر لكن رسمي للإدارة الأمريكية عن طريق مؤسسته الخاصة.

قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب برفع السرية عن ايميلات وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلنتون قد يدشن مرحلة دخول ترمب كور الدبابير والذي عادة لا يخرج منه أحد سالما.

الايميلات المفضوحة من قبل إدارة ترمب والعائدة لهيلاري كلنتون عندما كانت وزيرة للخارجية ليست مجرد تبادل لآراء بين طرفين أبدا بل هي تكشف استراتيجيات سرية جدا والاستراتيجيات السرية لا يضعها عادة وزراء مرحليين بل يضعها مخططين استراتيجيين وفق مصالح عليا للدولة او للحلفاء وفي حالتنا فقد وضعها لوبي دولي يدير الولايات المتحدة والعالم وليس وزيرة خارجية لاحول ولا قوة لها سوى تنفيذ تلك الاستراتيجيات التي تشكل السياسات الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية كما هو واضح من طريقة الكلام وهي عبارة عن تنفيذ تعليمات وتطبيق سياسات صادرة عن جهة عليا.

السياسات التي تكلمت عنها هيلاري في الإيميلات لا تخص او تؤثر فقط في الولايات المتحدة بل في العالم وهذا ما يدل على أنها سياسة وتخطيط استراتيجي يأتي من لوبي دولي وليس من وزارة خارجية او قسم تابع لإدارة البيت الأبيض، بل كانت نتائجها مؤثرة في رسم السياسة الدولية وشكل العالم باسره قبل وبعد ظهور أعتى تنظيم إرهابي لحد الأن وقد يكون هو أخر تنظيم إرهابي قوي بعد ان سيتم تغير سياسة الإرهاب لمرحلة ونوعية غير مسبوقة واعتقد انها ستكون معتمدة على الهجمات الفردية لا الجماعية. ولا اقصد موضوع الذئاب المنفردة التي تخص تنظيم داعش حصرا.

فهل أراد ترمب فضحها لأسباب انتخابية وهذا قصر نظر فاضح بدوره فاذا به يخترق خط احمر بفضح لوبي ضخم؟

هيلاري كلنتون ليست مرشحة رئاسية او ند رئاسي او سياسي له إطلاقا بعد خسارتها انتخابات 2016 وليست حتى من ضمن طاقم جو بايدن ابدا فلماذا يستهدفها, ام كما قلت هو يستهدف لوبي أخر فالرئيس الأمريكي عادة هو يمثل لوبي معين (ليس سريا عمل اللوبيات في أمريكا فالولايات المتحدة مكونة ويتحكم بها عدة لوبيات تتصارع فيما بينها وتتفق في أمور وتختلف في أخرى وهي من تنصب الرئيس والمناصب الرئيسة في البيت الأبيض وليس الناخب الأمريكي بل بعض المناصب تكون مفروضة على الرئيس نفسه) وهذا اللوبي قد يكون يريد قصم ظهر لوبي أخر كما أسلفت ان الإيميلات تخص سياسة عليا لمخططين استراتيجيين ولم تكن تتكلم عن أفكارها او خططها أبدا حيث الإيميلات كانت تتكلم عن قضايا حدثت من قبل ان تتسنم وزارة الخارجية وهذه الاحداث والقضايا مازالت مستمرة ليومنا هذا أي ان هيلاري كلنتون ليست سوى منفذ او حتى مجرد موظفة متابعة تنفيذ هذه السياسات العليا وقد أكون أتكلم عن الدولة العميقة التي تحكم الولايات المتحدة.


اتفق العرب (من خلال الإعلام التابع للأنظمة والذي يغسل أدمغة المتابعين العرب حسب الأهواء السائدة حينها) وأكرر العرب فقط على استغلال الكشف عن ايميلات هيلاري كلنتون وزيرة الخارجية الأمريكية لأثبات كل فريق صحة موقفه من خصمه ولم يذكر احد كيف ولماذا قرر ترمب الكشف عن هذه الإيميلات وهل يسمح له الدستور الأمريكي بهذا لأنها في النهاية ايميلات رسمية وليست شخصية وان كانت قد بعثت بطريق الخطأ من جهاز شخصي وهذه نقطة مهمة اي أنها ايميلات رسمية وليست شخصية بين اثنين فهو هنا ينتقد سياسة واستراتيجية سرية عليا وليس مجرد شخص لم يعد له أي منصب رسمي وكشف الأسرار او الوثائق حسب الدستور الأمريكي لا يجب ان يكون قبل مضي تقريبا 30 سنة بل وبعض الوثائق او الأسرار قد لا تكشف أبدا.

الإعلام والسياسة العربية للأسف تتخذ من العاطفة ركيزة أساسية بل وحيدة لها منذ ان قامت للعرب قائمة قبل 1430 سنة وليومنا هذا فليس للتحليل والسياسة والاستراتيجيات اي نصيب في تفكيرهم او تخطيطهم او حتى كلامهم.

يغيب عن وعي الشعوب العربية بل حتى الكثير من زعمائها يغيب عن وعيهم وأدراكهم كيف تسير أمور الحكم وأنظمة السياسة الخارجية للدول العظمى ويلجؤون لنظرية المؤامرة فور حدوث اي حدث كبير أكبر وأعمق من تفكيرهم السطحي فبدل البحث والتحليل لفهم الحدث والتصرف إزاءه يلجأ فورا وبلا تعب لنظرية المؤامرة التي هي مصنفة كمرض نفسي فهي لا تقوم على أساس مادي ملموس إطلاقا بل تكهنات يجري ترتيبها وربطها وفق أهواء او انتماءات فكرية متطرفة فتشكل قصة يبدو شكلا لأول وهلة أنها واقعية لكن لو حللنا وقائعها وحيثياتها لوجدناها نكتة غبية.

الإيميلات اهتم بها غير الناخبين الأمريكيين بصورة اكبر وذلك كي يشفي كل فريق غليله في الأخر في دعم نظريات المؤامرة او حتى حقائق معينة ظهرت في المنطقة وتجييرها لنفسه او جعلها تهمة بحق الطرف الآخر وفي النهاية أنها ايميلات عن احداث جرت وقسم مازالت تبعاته مستمرة لوتم تحليل الاحداث نفسها وفق المعلومات المتوفرة والمعروف فحواها ومصدرها لما احتجنا للسيد ترمب كي يتفضل علينا بكشف ايميلات تخدمه هو واللوبي الداعم له فقط ولا تخدم أي قضية عربية هذا ان لم تكن أصلا لفضح هشاشة التفكير والأنظمة العربية التي ورد ذكرها في بعض الايميلات رغم ان تورطها في الدم العربي كان مكشوفا منذ عقود.

هيهات ان يفكر العرب بطريقة التحليل المهني الموضوعي فذلك ابداع وكل ابداع ظلالة وكل ظلالة في النار.

في مقابلة لهيلاري كلنتون مع نيويورك تايمز قالت: ان وعد بومبيو بكشف المزيد من الإيميلات قبيل الانتخابات هو امر مثير للشفقة" وأضافت ان الإيميلات جرى تفريغها من محتواها وعرضها على الناس بطريقة لخلق قصص مجنونة حولها وللأسف ان الناس صدقوا هذه الطريقة وكأن هناك شيء يحدث خلف الكواليس"

كما أضافت إنها لا تستطيع ان تصدق بانها ستظل مستهدفة من قبل إدارة ترمب ليفوزوا بولاية ثانية وانها لا تستسيغ فكرة ان يفوز ترمب بولاية ثانية “انه امر يجعلني اشعر بالمرض بانه علينا تحمل 4 سنوات أخرى من الاستغلال والتدمير لمؤسساتنا وتدمير لقيمنا وأعرافنا وان نستمع للأكاذيب والقائمة تطول "

المثير للاستغراب ان ترمب يطارد هيلاري وينشر الإيميلات السرية الرسمية وهو نفسه ادعى بتغريدة تعود لعام 2018 وبالضبط 29 اب/أغسطس 2018 بان الصين اخترقت حساب هيلاري كلنتون وسرقت ايميلات عالية السرية وطالب مكتب التحقيقات الفدرالي ووزارة العدل بالتحرك ضد هذه الاختراق. فهل الصين تعمل لصالح ترمب اذا صحت اتهاماته ام ماذا!



توضح الإيميلات أيضا كيف ان مواقع التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك وتويتر ماهي الا أدوات يجري التحكم بها حسب تلك الاستراتيجيات (خلق وتصعيد تريند لهاشتاكات معينة واطلاق حملات ضد راي معين او شخص معين الخ) حيث تعتمد هذه السياسة على مصادر رقمية قوية استفادوا منها مثلا كمية السذاجة و الجهل عالية جدا لدرجة ان العامة سيصدقون بل سيؤمنون بهذه الحملات ويتبعوها اي خلق أرضية ومفهوم مفصل بالكامل حسب تلك الاستراتيجيات وهذه الطريقة هي طريقة اكتشفها علماء نفس وفلاسفة وحللوها ووضعوا لها نظريات للسيطرة على العامة تسمى باختصار السير مع القطيع او الجمع ورائد هذه الدراسات والنظريات هو الفيلسوف الفرنسي جوستاف لو بون الذي وضع عدة نظريات وطرق للسيطرة على الجماهير في كتب مثل الجموع او الحشد The crowd, سيكولوجية الجماهير The Psychology of People.

قد تكون زوبعة (فضيحة) الإيميلات تقريبا انتهت كضجة إعلامية الآن لكن أين ذاك الذي يسال هذه الأسالة:

بماذا يفيد ترمب ضرب هيلاري كلنتون؟

كونها ديمقراطية لن يفيد بشيء أبدا فهي بلا اي منصب رسمي او حتى داعم مؤثر في حملة جو بايدن!

لما كشف ترمب ايميلات تفضح مخططات استراتيجية تتضمن سياسة أمريكا الخارجية لاسيما في الشرق الأوسط؟

هل سيقلب اللوبي الذي يدعم ترمب الطاولة فعلا على استراتيجيات أوروبية في المنطقة ام سيلاقي مصير جون كينيدي !

سنعرف هذا بعد فوات الاوان


تحيتي