هل فعلا الحرب في أوروبا سبب التضخم !



عند حدوث اي أزمة مالية او غذائية وتتسبب بارتفاع تكاليف المعيشة في العالم فتؤدي حتما لتباطوء في النمو الاقتصادي, فتستطيع ان تراهن ان أسبابها وتبريراتها وعلاجها ليس ما يطرحه الإعلام الغربي ويكرره بل حتى ليست قريبة ألف كم من الحقيقة.


طرق التخدير العتيقة


فالإعلام الذي تشاهده مجانا يجب ان تسال نفسك عنه " مَن الذي ينفق ويبدد هذه الملايين على محطات مجانية دون عائد وما السبب " ؟

فلا وجود لما يسمى " خدمة مجانية " وان قرأت او سمعت او ادعى احدهم بان الخدمة الفلانية مجانية فاعلم بانك البضاعة.


منذ اندلاع الحرب في أوروبا والإعلام الغربي يصور ويثبت بالكلام فقط (وهذا حالهم دائما كلام في كلام دون دليل مادي واضح وقاطع) ان غلاء المعيشة الجاري هو بسبب إشعال روسيا للحرب في أوروبا, فهل هذا صحيح !


لننتبه للمصطلحات التي يجري ترديدها الآف المرات في الساعة كي ترسخ في العقل الباطن للمتلقي فيصدقها بل يؤمن بها المستمعين والمشاهدين فيتصرفون ويفكرون على أساسها بلا أدنى شك (طريقة غسيل المخ بتكرار مكثف لكلمات ومصطلحات يتم صياغتها بواسطة مختصين في علم النفس التحليلي تسمى طريقة التأثير اللاشعوري التي يستخدمها الإعلام الغربي منذ أربعينيات القرن الماضي, اخترعها علماء نفس المان ونمساويون اكثرهم من أصول يهودية في بداية الثلاثينيات واستعملها هتلر ثم استولى عليها الحلفاء) والمصطلحات التي يجري تكرارها منذ بداية الحرب هي :


أزمة طاقة – ارتفاع أسعار الطاقة – الحرب في أوكرانيا سبب ارتفاع أسعار الغذاء عالميا – تعطل سلاسل التوريد – تضخم – رفع أسعار فائدة.


أولا لا يوجد أبدا أزمة او نقص في إمدادات الطاقة العالمية بل لم يحدث هذا أبدا حتى أثناء الأزمات العسكرية واخر أزمة طاقة فعلية كانت أثناء الحرب العالمية الثانية والتي بسببها انهزم هتلر ولم يُهزم لأنه ضعيف عسكريا بل فقط تم تدمير مصادر الطاقة لديه فخسر الحرب (حصل بعض النقص ولنقل تأخر إمدادات خلال فترة الطفرة الاقتصادية التي جابت العالم في بداية الألفية فقط ولم تستمر طويلا وكانت تعتبر إيجابية ولم ينتج عنها تضخم سلبي كما ألان).

فالإمدادات متوفرة وبكميات ضخمة وغير مسبوقة ولم تمنع الدول المنتجة للطاقة سواء النفط او الغاز او غيره ابدا وصول الطاقة إلى المستهلكين لكن!


مَن شد حبل المشنقة حول عنقه !


قام حلف الناتو بالإضافة إلى غالبية دول الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات اقتصادية ضد روسيا بسبب العمليات العسكرية في أوكرانيا (إيران معاقبة أيضا في وقت سابق بسبب الإملاءات الأمريكية على أوروبا ولم يكن الأمر مصادفة) فكانت العقوبات الأوروبية ضد روسيا هي التي منعت وصول الطاقة للاتحاد الأوروبي فأدى هذا الفعل إلى ارتفاع أسعار الطاقة في أوروبا والولايات المتحدة ولم ترتفع في اي مكان اخر حول العالم للعلم بل تدنت في عدة مناطق في العالم إلى مستويات كبيرة ( أسعار الطاقة في آسيا لم ترتفع بل انخفضت بالمعدل لذا لا نرى معدلات تضخم في الأسعار في آسيا ولا في أفريقيا ولا حتى في أمريكا اللاتينية منذ اكثر من سنتين).


يبقى ان نفهم لما زادت أسعار الطاقة كذلك غلاء المعيشة في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية ولما لم تنخفض بعدها أبدا ليومنا هذا رغم ان ارتفاع أسعار الطاقة (حسب البورصات) لم يستمر طويلا وهذا لا يعتبر عاملا مؤثرا أبدا ولا يمكن الأخذ به ان لم يستمر الارتفاع على الأقل لثلاث اشهر متتالية فاكثر وهذا لم يحدث.



لقد زادت الأسعار على المستهلك الأوروبي والأمريكي حصرا لان شركات الطاقة الغربية وبالأخص الأوروبية كانت تشتري الغاز والنفط من روسيا بأسعار مُخفضة جدا بل هي الأقل عالميا على الإطلاق ثم تبيعه تلك الشركات الأوروبية بهامش ربحي عالي للمستهلك الأوروبي وعلى مسامع ومراقبة الحكومة, وسكوتها سببه هو لأنها تستحصل الضرائب على الطرفين معتقدا وبغباء مدقع بان ذلك سيسهم في علاج أمر مخفي اخر سنأتي على ذكره كي لا ينكشف المستور في اكبر عملية نصب في التاريخ.



ثم عندما اندلعت الحرب في أوروبا بسبب تهديد حلف الناتو لروسيا وإقامة قواعد إرهابية عسكرية في أوكرانيا, قاموا بفرض عقوبات اقتصادية على روسيا اصبح لدى هذه الشركات خيار واحد فقط, هو شراء الطاقة من الأسواق الأخرى وبالطبع لم يحصلوا على الخصومات والأسعار التفضيلية جدا التي كانوا يتمتعون بها من روسيا رغم زيارة رؤساء الحكومات الغربية والرئيس الأمريكي إلى الدول المصدرة للطاقة وتم طردهم بدبلوماسية عالية وعدم إعطاءهم اي عقود تفضيلية كما كان في السابق وكما التي كانوا يحصلون عليها من روسيا.



التخبط الداخلي



هنا وجد الأوروبيين انفسهم في حرب وهي فعلا حرب لوبيات في الداخل الأوروبي, الأول اللوبي السياسي الوطني وهي أحزاب الشارع الأوروبي التي ما زالت تمثل صوت الشعوب الأوروبية بصدق ووطنية وهي تحاول جر أوروبا بعيدا عن التناحرات الدولية التي خلقها قصر باكنغهام وينفذها البيت الأبيض بأوامر منه, فقامت بتظاهرات احتجاجية أدت لإسقاط رؤساء بعض الحكومات الذين ثبت بالجرم المشهود ولائهم لأحلاف عسكرية وعنصرية لم تأتي إلا بالمصائب على الأوروبيين, والثاني اللوبي التجاري (شركات طاقة وبنوك) الذي من مصلحته ان تبقى هوامش أرباحه مرتفعة ولن يتخلى عنها فصار يشتري الغاز والنفط من السوق العالمية بل حتى من روسيا عن طريق طرف ثالث بأسعار طبيعية لكنه لا يتنازل عن هامش ربحه المبالغ به فادى هذا الأمر لان ترتفع أسعار الطاقة على المستهلك الأوروبي لأعلى مستوى في تاريخها على الإطلاق الأمر الذي أدى لتداعيات اجتماعية ما زالت مستمرة ولن تنتهي ابدا فهذا الأمر او الوضع ليس مؤقتا بل هو وضع جديد ستضطر أوروبا العيش والتعامل معه إلى عقود قادمة بل إلى الأبد, فأسعار الطاقة داخل الاتحاد الأوروبي لن تنخفض أبدا ولا يوجد اي سبب يدعوا لانخفاضها فكل مصادر الطاقة أصبحت بسبب سياساتهم الغبية أعداء لهم.



يبقى موضوع انهم يحاولون درء الأنظار عن نقص الإمدادات بالإعلان كل أسبوع عن أيجادهم مصادر طاقة بديلة, فلا ادري ما علاقة إيجاد مصادر اخرى بالأسعار المرتفعة !


فالاتحاد الأوروبي قد يجد مصادر بديلة وأشكُ جدا في هذا, لكن الأهم هل سيجد نفس الأسعار التفضيلية القديمة ؟


لقد أوردتُ في مقالة سابقة بعنوان "بديل الغاز الروسي" كيف ان استهلاك الاتحاد الأوروبي من الطاقة والنقص الذي حدث فيه فجأة جراء التخبط السياسي بسبب وصول م