top of page

هل وضعت الحرب في أوروبا أوزارها !





" تنتهي الحرب عندما يفقد احد الطرفين كل أسلحته وليس عندما يحقق احد الطرفين أهدافه "



بعد يومين من تصريح مثير للجدل والتكهنات لرئيس أركان حلف الناتو ستاين ينسن حول الهزيمة الحتمية لأوكرانيا في حربها ضد روسيا جاء تصريح امين عام الحلف يانس ستولتنبيرغ امس الخميس ليضع النقاط على الحروف ويؤكد ما راح إليه رئيس أركانه ؛ حيث قال ستولتنبيرغ بالحرف الواحد " ان الأوكرانيين وحدهم سيقررون الجلوس للتفاوض لإنهاء الحرب " فكيف نفهم ذلك !


لم ولا يكون لامين عام حلف الناتو ان يصرح بهذه الكلمات من قبل أخذين بنظر الاعتبار ان ما يسمى الرئيس الأوكراني ومعاونيه ليسوا سوى دمى يحركهم حلف الناتو حصرا, فشخص مثل زيلينسكي اصغر بكثير من ان يتخذ قرار استفزاز روسيا كي ترد عليه بقوة او يعطي للناتو أوامر واقتراحات, فهو شخصية تستطيع إصدار قرار تبليط شارع أمام بيته بأحسن الأحوال.


جاء تصريح ستولتنبيرغ الناري أثناء حديثه في ندوة في النرويج امس الخميس حيث قال ايضا " ان الحديث يجري داخل الحلف لإنهاء الحرب" اي أنها نقاشات ليس لأوكرانيا ولا قرقوزها اي دور فيها ولا حتى حضور رمزي وهذا اعتراف ضمني بان قرار إنهاء الحرب هو أستسلام رسمي كما سنرى بالأدلة قد أُتخذ بالفعل سراً داخل حلف الناتو منذ بضعة أيام او أسابيع كأبعد تقدير, وليس كما تحاول أبواق حلف الناتو تسويقه في العنوان العريض للتصريح بان " الاوكرانيين فقط هم من يقررون التفاوض".


نعم هم وحدهم اي الأوكرانيين المخولون للتفاوض مع بوتين وليس المُقررين لهذا القرار بالجلوس مع بوتين بعد شهور طويلة من رفض التفاوض وهذه نقطة مهمة يجب تذكرها عند اي تحليل لهذا التصريح وتوقيته, فالحلف قد انفق مليارات الدولارات على أوكرانيا ولن يدع قرقوز نصبوه هم ويعلمون عِلم اليقين قدراته ان يقرر بعيدا عنهم او حتى له الدور في صنع اي قرار وأتكلم هنا عن عقيدة حلف الناتو لا عن نظريات وعقد مؤامرة.


أضاف يانس ستولتنبيرغ " بان للأوكرانيين ان يتنازلوا عن بعض الأراضي لروسيا مقابل قبول عضويتهم في حلف الناتو" الأمر الذي لا يدع اي مجال للشك بان تصريح رئيس أركان الحلف الذي سبقه باقل من 48 ساعة كان تصريح مُعد مُسبقا وذا رسالة واضحة تلقتها الإدارة الروسية وما زالت لم تعلق رسميا على العرض التاريخي السخي هذا.

جاء تصريح ستولتنبيرغ بعد يومين من تصريح رئيس الأركان زميله ستاين يانسن حيث قال الاخير بالحرف الواحد " في نهاية المطاف، على الاوكرانيين ان يتنازلوا عن بعض الاراضي لروسيا لانهاء الحرب" أليس هذا نصراً واضحاً لروسيا !


هنا يتبين امرين مهمين للاستسلام وهما :


1. ان أوكرانيا ستنال عضوية الناتو حتما ان تنازلت على الأراضي التي استرجعها الروس وهذه طبعا توصية قوية كانت من ثعلب السياسة هنري كيسنجر بفترة ليست بالقصيرة, اي ان مكافأة أوكرانيا للحفاظ على ما سيتبقى منها أنها ستكون تحت الوصايا الناتوية. ( لا أظن ان الحكومة الأوكرانية الحالية ستنجوا من انتقام الشعب حال وقف إطلاق النار بهزيمة نكراء ولن تكون أوكرانيا كما نعرفها اليوم ).

2. ان على روسيا قبول العرض لإنهاء الحرب مادام انهم حصلوا على ما يريدون لا سيما شبه جزيرة القرم, اي ان حلف الناتو سيعرض على روسيا الاعتراف الدولي بكل الأراضي الروسية التي تم استرجاعها قبل وأثناء العمليات العسكرية الخاصة في أوكرانيا مقابل اتفاق طويل الأمد على وقف إطلاق النار.


الحلف يحاول جاهدا ان لا يجعل لأي طرف دولي اخر اليد العليا لعرض اتفاق سلام وإلا ستصبح قوة الحلف السياسية في خبر كان (هم يعتقدون انهم ما زالوا على قيد القوة والدبلوماسية الدولية او يحاولون) فمبادرات مثل المبادرة الصينية وكذلك المبادرة الأفريقية التي يجري صياغتها كفيلة بان تجعل حلف الناتو في زاوية لا يحسد عليها لقبولها الأمر الذي سيعجل بانهيارهم سياسيا بالإضافة الى انهيارهم الاقتصادي فقرر الحلف ان ينهي الحرب هو كي يظل على الأقل سيد طاولة الاستسلام فدوليا لن يكون للحلف الاستمرار برفض المبادرات لإنهاء الحرب فأمره سينفضح.




لما الاستسلام الان !


جاء تصريح الأمين العام لحلف الناتو بعد تيقُن الحلف دون أدنى شك بان مغامرة أوكرانيا فاشلة لكن ليس تماما من وجهة نظرهم؛ فقد انجزت ولو شيء من الأهداف مثل :


1. افراغ مخازن أسلحة بالية واستبدالها بأعتدة وأسلحة جديدة لمجاراة روسيا والصين رغم ان هذا ما زال بعيد المنال لكنه يجب ان يبدأ.

2. تمت تصفية وأغلاق أفواه معارضة كثيرة داخل الاتحاد الأوروبي وهذه حقيقة ولا أتكلم عن عقد مؤامرة لا سيما في فرنسا والمانيا وايطاليا وبريطانيا لكن الامر لم ينجح كثيرا في إيطاليا والمجر وهذه اكبر مخاوف الحلف للخمس سنوات القادمة.

3. تدارك انهيار عملتي الدولار و اليورو ولو تأجيل انهيارها قليلا وان كان الثمن مئات الآف الأرواح من ألأوكرانيين وملايين اللاجئين, فتأجيل الانهيار الشامل والسريع برايي هو الهدف الأعلى واعتقد انهم ربحوه, اي كسبوا وقتا من ذهب كما فعلوا في اتفاق المنسك عام 2014 وباعتراف المستشارة الألمانية المعزولة انجيلا ميركل.


الهجوم الأوكراني المضاد فشل (كان هجوم إعلامي لا اكثر لحفظ ماء الوجه ليس إلا) والذي ولد فاشلا أصلا (الكلام عن هجوم مضاد ضد جيش دولة عظمى مثل روسيا بل هو أقوى جيوش العالم لا يتم التحضير له بحملات إعلامية مضحكة وبقدرات عسكرية هزيلة وبالية) فالفساد وعدم القناعة بمحاربة روسيا كانت هي القول الفصل داخل المؤسسة العسكرية الأوكرانية والشواهد كثيرة جدا شرحتها وبينتها في منشورات سابقة وبالأدلة بالإضافة الى التغلغل النازي الذي اقتلعه الجيش الروسي بشكل كبير وملحوظ في بداية الحرب بل افشل حتى الحملة الدولية لتجنيد مرتزقة انتهى بهم الأمر اما أشلاء او هاربين إلى أوطانهم يكتبون قصص الموت التي نجوا منها بأعجوبة ناصحين غيرهم بعدم التورط والذهاب لأوكرانيا.


الفشل الاقتصادي داخل دول حلف الناتو وباقي الدول الأوروبية (ما يسمى مجموعة السبع الكبار جميعها دخلت مرحلة الديون المستعصية التي لا يمكن سداداها ابدا بدليل تخفيض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة وكذلك لمؤسسات تجارية وبنكية عتيدة كانت تحرك الاقتصاد العالمي) عصف بمدخرات الحلف لدرجة تأهيل شعوبه نفسيا ومعنويا من خلال الإعلام لتقبل مرحلة التقشف القاسي والطويل والحصار الاقتصادي الذاتي والعيش بالاكتفاء الذاتي ان لم يكن اقل، فلم تنفع العقوبات ضد موسكو لا سيما على الطاقة فقد استمر الغرب باستيراد الطاقة من روسيا فلم ينجح لهم اي بديل كذلك بدأت آثار وتبعات طبع العملة بكثافة تظهر (طبع اكثر من ربع كوادرليون دولار اي 250 ترليون دولار خلال العقد الاخير فقط) وعادة تبعات طبع العملة دون غطاء تكون ككرة الثلج تزداد حجما كلما تدحرجت لدرجة استحالة إيقافها إلا بعد ان تقضي على كل شيء في طريقها.


البيانات الاقتصادية الرسمية كلها تشير الى كارثة مستمرة فالتضخم ضرب الاقتصاد في مقتل كذلك تآكل الطبقة الوسطى وهو بمثابة تآكل أساسات بناء ضخم. فأرقام التضخم الغير مسبوقة صارت تجعلهم يهلهلون فرحا ان هي تباطأت فقط عُشر الواحد في المائة ولنا ان نتخيل الوضع والمشهد لما بقي من أرقام التضخم التي تحتاج الى سنين طويلة لإرجاعها لمعدلاتها الطبيعية.

اكرر واشدد على موضوع القلاقل في الشارع فالغليان جراء ضنك العيش مازال مستمرا وبدأ بالتفجر مرة اخرى في فرنسا ولن تكون باقي دول الاتحاد الأوروبي في منأى منه مثل المانيا واسبانيا وبريطانيا, وهذا ما سيجعل احزاب اليمين التي لاتكن اي احترام لاتفاقية الاتحاد الأوروبي ولا لحلف الناتو وكلها على اختلاف الوانها سيجعلها تقفز من السفينة فهي بنظرهم غارقة لا محالة.


ما بعد الاستسلام



يبقى ان ننتظر كيف سيؤول التفاوض مع روسيا (هذا ان قبلت روسيا بعرض الاستسلام هذا) التي سيطرت الان على سلة الغذاء العالمي من خلال غلق احد اكبر مصادر القمح من الناحيتين الإنتاجية واللوجستية وهو امر ايقنه حلف الناتو واعلنه رسميا بان مرحلة التجويع قد بدأها بوتين وهي كرصاصة الرحمة لأي قوة مهما كانت قوتها, هذا ان بقي فيها شيء من القوة (القوة ليست بالسلاح فقط انما في الاقتصاد المالي والنقدي والزراعي والصناعي).


فارتفاع أسعار الحبوب وارد جدا رغم انه لم يقفز كثيرا بالمعدل لكن بحساب بسيط فان أوكرانيا اذا ما انهارت بالكامل بيد المعارضة وعقدت اتفاقا مع بوتين فسيصبح رغيف الأوروبيين بيد روسيا واقصد من ناحيتين فالمعروض ككمية يتحكم بمستوى الأسعار اي يفاقم التضخم بأوروبا من الناحية الثانية, الأمر الذي سيفاقم الوضع الاقتصادي المزري في الغرب بأكمله، لذا قد قرر الحلف إنهاء المأساة التي بدأها قبل فوات الأوان أخذين بنظر الاعتبار استمرار فقدان اليورو والدولار لقيمتهم الامر الذي سيفاقم تكاليف الإنتاج والمواد الأولية حتماً في دول الغرب الامر الذي يضعهم أمام شلل اقتصادي تام لا يحمد عقباه.


النظر لما بعد الحرب أمرُ مخيف فعلا فالمشهد رغم ضبابيته لكن هناك معالم كبيرة ما زالت ترى بالعين المجردة من خلال الضباب هذا, مثل التضخم الذي لن تهبط مستوياته مادام طبع العملة مستمر بتناسب طردي مع موضوع فقدان المصادر واقصد في المستعمرات التي كانت تسيطر عليها شركات غربية وتغذي الاقتصاد الغربي وهي أخذة بالزوال اضف لذلك كما أسلفت موضوع تسّيُد أحزاب اليمين على المشهد في الساحة السياسية الأوروبية فمن شبه المؤكد على سبيل المثال ان فرنسا ستؤول الى ماري لوبين كذلك في المانيا فان شعبية مراهقي السياسة الحاليين فقدوا كل دعم ولا استبعد انتخابات مبكرة تطيح بهم الى غير رجعة ممهدة الطريق لأتلاف جديدة من الحزب المسيحي الذي كان يحكم لكن النازيون الجدد اصبح لهم صوت مسموع وتمثيل غريب في البوندشتاغ.


اوروبا عام 2025 – 2030 ستكون مختلفة جدا وطبعا هذا كلام كلاسيكي رب قائلا وما الجديد فهي حتما ستكون مختلفة, فأقول ... ستكون أوروبا المريضة بعد ان كانت العجوز.

الإداء الاقتصادي في أوروبا لا سيما داخل الاتحاد الأوروبي يحتاج لمعجزة فعلا ليتعافى فالعقول التي خلقت مشاكله لا يمكن لها ان تحُلها فهي لم تستطع تقديم اي حل ولو إعلامي منذ اندلاع الحرب في أوروبا وليومنا هذا فلم نرى او نسمع اي زعيم أوروبي يخرج بحل ولا حتى من اي مسؤول بمنصب عالي فكلهم بلا استثناء لا يخرجون في الإعلام الا لشتم روسيا او الوعيد او التعهد بصب الزيت على النار اكثر فاكثر وكأن شعب ومستقبل اوروبا ليس في أجندتهم بل اعتقد انهم نسوهم تماما.


تحيتي



١٤٢ مشاهدة٠ تعليق

منشورات ذات صلة

عرض الكل
bottom of page