حقيقة المفاوضات بين امريكا ونظام الملالي
- رياض بـدر

- 28 مارس
- 6 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: قبل 7 ساعات

المفاوضات المزعومة: بين الحقيقة والخيال
وصل الحديث والتحليل الإعلامي عن المفاوضات المزعومة واقصد المفاوضات بين امريكا ونظام الملالي إلى درجة خلق سيناريوهات أقرب للنكتة منها إلى موضوع حقيقي يجري على أرض الواقع. شروط مزعومة مضحكة تتداولها كل وسائل الإعلام العالمية، لا سيما العربية منها، مصدرها الأول تصريح لترمب نفته إيران رسميًا. ثم توالت التصاريح المتضاربة، وتبين أن كل ما في الأمر هو أن هناك رسالة أمريكية حملتها باكستان لإيران، وردت عليها إيران بالرفض خلال ساعات قليلة جدًا. فإين المفاوضات؟
الأمر المضحك أن هذه الشروط المزعومة صيغت بطريقة غبية جدًا، فبدى ترمب فيها وكأنه يتوسل إيران للتفاوض معه وقبول وقف إطلاق النار. فإذا كانت كذلك فعلاً، فلماذا رفضتها إيران جملة وتفصيلاً؟ أي تهريج هذا!
منذ متى وفي أي حرب، منذ فجر التاريخ، حدث أن قام المنتصر أو المتفوق بالتوسل أو عرض تنازل مع المهزوم الضعيف؟ هل فعلتها روسيا مع أوكرانيا مثلاً؟ أثناء كتابتي لهذه المقالة، بدأت وسائل الإعلام بالقول إن نقاط التفاوض هذه مجرد تحليل عما قد تكون عليه شروط المفاوضات.
هذا ينشر نقاطًا يزعم أن ترمب طرحها على إيران، وذاك يهلهل إيمانًا منه بأن إيران بهذا قد انتصرت. وذاك يثبت بالكلام كيف أن إيران وضعت شروط تفاوض، من تكهنات لا إثباتات منطقية أو رسمية صادرة عن أي طرف من طرفي النزاع. تصريحات ويتكوف تبقى مجرد تصريحات لمبعوث شخصي، فهو ليس وزير خارجية ولا دفاع وليس لديه أي منصب رسمي عالي. بينما تتحدث هذه الأبواق عن مفاوضات مثبتة إعلاميًا، ترسل الولايات المتحدة حاملة الطائرات بوش للمنطقة، ومعها عدة فرقاطات أخرى غادرت بالفعل قبل أيام من ولاية فلوريدا متجهة إلى الشرق الأوسط. فهل ستكون المفاوضات على ظهر السفن الحربية أم ماذا؟
الجهل بالعمل الدبلوماسي
سبب هذا الهرج والمرج هو الجهل بالعمل الدبلوماسي من جهة، وقوانين ولوجستيات الحروب من جهة أخرى. بالإضافة إلى الأمر الأهم، وهو الجهل بحيثيات وإرهاصات العمل السياسي الدولي، لاسيما الخاص بعقيدة وطريقة عمل حلف الناتو الاستراتيجية. هذه العقلية لا وجود لها في العقلية الشرقية، لأنها عقلية تكفيرية لا تفكيرية.
حرب إعداد أم ارتجال؟
لقد ذكرت مرارًا في عدة مناسبات، أتذكر أولها كانت مقالة في عام 2008، تطرقت فيها لما سأشرحه الآن. اسم المقالة هو "سندويشة فريدمان". اقتبست حينها تحليلًا من مقالة نشرها الكاتب الأمريكي المخضرم توماس فريدمان، حينها عن كيفية خنق إيران بواسطة النفط. حيث كانت إيران قد أشعلت حربًا أهلية طائفية في العراق، بالإضافة إلى ضربها القوات الأمريكية التي كانت تحتل العراق حينها.
الحرب الآن لم تشتعل لتدمير قدرات إيران النووية المزعومة، لأنها أصلاً غير موجودة، وقد جرى تضخيمها إعلاميًا. هذه طريقة قديمة لحلف الناتو في تضخيم الخطر لتبرير تدميره وبث الرعب في أعداء محتملين. وما كان لها من بنى تحتية كالمفاعلات والمخازن وحتى العلماء، فقد تم تدميرها في حرب الـ 12 يوم صيف 2025، بالضبط كما تم اختلاق تهمة امتلاك نظام صدام حسين لأسلحة دمار شامل تستطيع تدمير كوكب الأرض وبعض الكواكب المجاورة والغير مجاورة.
الحرب ضد إيران لم تقم لأنها تدعم مليشيات في المنطقة. هذه المليشيات تشكلت أولاً تحت أنظار الولايات المتحدة، لا سيما في العراق بعد عام 2003. وهي ميليشيات بلا أظافر، فهي لا تستطيع خدش طائرة للناتو. أقصى ما تفعله هو تحطيم زجاج حمامات قواعد أمريكية أو إطلاق مقذوفات صغيرة على السفارة الأمريكية أو سفن تجارية عابرة في المياه بطرق عشوائية. بل هي لا تستطيع دحر بعضها البعض عندما تتقاتل على الحصص المالية والميزانية الحكومية والمكتسبات. فكيف لها أن تخيف أو ترعب دول عظمى تحكم قبضتها على ثلاثة أرباع كوكب الأرض بمنظماتها وقوانينها الدولية وخيراتها منذ قرون!
لماذا إسقاط هذه الأنظمة؟
إسقاط النظام الإيراني من قبل حلف الناتو ليس استجابة لدعوات وابتهالات العرب السنة، ولا نكاية بالشيعة، رغم أنهم سيدفعون الثمن الأعظم دون شك، لأنهم متمسكون بإيران عقائديًا. ضرب إيران وإسقاط نظام الملالي هو قرار غربي قطعي اتخذ في أوروبا، حصراً بين فرنسا وبريطانيا، وأيدته كل الدول الرئيسية في حلف الناتو والاتحاد الأوروبي. ليس قرارًا ارتجاليًا تجريبيًا ليروا ما سيؤول له سير المعارك. فإن لم تسر بطريقة جيدة، تراجعوا عنه. بل هذا القرار صدر لأمرين لا ثالث لهما:
قطع شريان طاقة آمن للصين، كذلك للاقتصادات الناشئة في آسيا بالذات.
قطع أهم معبر لطريق الحرير الجديد، الذي تسميه الصين مبادرة الطريق والحزام، الذي سيصل لأوروبا، لأنه أيضًا يخدم تلك الاقتصادات الآسيوية الناشئة.
سر تفوق الصين الصناعي
سر تفوق الصين الصناعي هو ضخامة إنتاجها، لكنه ناتج عن قسمين:
صناعة تقليدية: مواد منزلية، آلات كهربائية بسيطة، سيارات، معدات، أدوات لوازم منزلية، إلخ.
صناعة تفوقية: أي ذات التفوق التكنولوجي Superior Manufacturing، مثل رقائق أشباه الموصلات، تكنولوجيات الفضاء، ودوائر إلكترونية عالية الجودة تدخل في خوادم الذكاء الاصطناعي وغيرها من هذا المستوى من التكنولوجيا المستقبلية، وصولًا إلى مفاعلات الاندماج النووي nuclear fusion reactors. لشدة قوتها الناتجة، تسمى الشمس الصناعية، بل تفوق حرارة الشمس بـ 10 مرات، حيث تصل إلى 150 مليون درجة مئوية مقارنة مع شمسنا التي تصل حرارتها إلى 15 مليون درجة مئوية.
القسم الأول هو الأكبر مع قطاع الخدمات، وهو المغذي المادي الأكبر للصين سواء بنكيًا أو كناتج قومي. والقسم الثاني تطور لعدة أسباب، منها سرقات ملكية فكرية، ومنها تحايل على الشركات الغربية التي افتتحت مصانع في الصين لهثًا وراء الأرباح المضاعفة السريعة. (رأس المال لا يعترف بالوطنية) معتمدًا بالطبع على الأموال التي ينتجها القسم الأول بشكل كبير إن لم يكن مطلق.
لذا عند حساب مشاركة نصيب الصناعة التقليدية وقطاع الخدمات في الناتج المحلي الصيني مقارنة بالتصنيع التفوقي Superior manufacturing أو التكنولوجي المتفوق، سنعرف كيف يتم تمويل التصنيع التفوقي. لدعم استمرار هذا التفوق الصناعي الكمي بمجمله، يتطلب طاقة مستمرة وطريق تجاري آمن. (المفاعلات الحديثة هذه لا تعتمد على الوقود الأحفوري، لكنها ما زالت في بدايتها التجريبية).
التأثيرات الاقتصادية
التفوق التجاري - الصناعي لا يمكن أن يكون فقط بمصدر طاقة رخيص، هذا ليس صحيحًا على الإطلاق، بل لم يحدث أبدًا. إنما يحدث أو يتطلب ضمان مصدر آمن، أي مستمر للطاقة دون تعكير. وإلا، سينهار كل شيء، فالمصانع لا تعمل على الطاقة الهوائية أو المائية أو بالدعاء. ولنقف عند نقطة مصدر آمن للطاقة كثيرًا.
موضوع رخص الطاقة هذا مرحلي وليس ذا شأن على الإطلاق. فعندما نقول رخيص، رخيص قياسًا بماذا؟ طبعًا الجميع يقارن بأسعار اليوم فقط أو لستة أشهر بأقصى حد، وليس بأسعار سنة أو خمس سنوات قادمة.
أسعار النفط يتحكم بها الناتو مع تأثير آخر من قبل مجموعة أوبك بلس. فيها دول تسير في الفلك الغربي، مثل قبائل غرب الخليج. وليس الصين أو الاقتصادات الناشئة هي التي تتحكم بالأسعار، رغم أنها الأكثر طلبًا للطاقة. وهذا أهم ما يجب فهمه. فكثرة الاستهلاك عامل خطير، وليس دائمًا عاملًا جيدًا للحصول على أسعار رخيصة.
فلا وجود لسعر ثابت أبدًا، ولا يوجد اتفاق طويل الأمد بين طرفين على توريد مادة أولية أو طاقة وفق سعر ثابت. إذن، الاتفاق على ماذا؟ فقط لضمان استمرار تدفق هذه المادة وليس لشيء آخر. وهذا ما يسمى ضمان سير سلاسل التوريد. فهي إن ضعفت أو توقفت، توقف الدم في الاقتصاد، وأشاع فيه التضخم، ومن ثم الضعف لدرجة الشلل.
استراتيجيات الغرب
الغرب يعمل لمحاصرة الصين على عدة جبهات، وليس جبهة واحدة. ففي أوروبا والولايات المتحدة، نلاحظ تحجيم تصدير التكنولوجيا للصين. السر يقول إن العقلية الصينية الذهنية أو الملكية الفكرية دون المعدل البشري، لاسيما العقلية الأوروبية. والأهم أنها ليست عقلية إبداعية، إنما تقليدية حصراً. فالصين مشهود عليها سرقاتها للملكية الفكرية. وأنا بنفسي أعمل في هذا المجال، ولدي براءة اختراع في الاتحاد الأوروبي، واطلعت عن كثب على أفعال الصين في هذا الأمر. رغم أن الصين موقعة على اتفاقية باريس 1940 وغيرها من اتفاقيات حماية الملكية الفكرية، وقد خرقتها الصين كلها وما زالت، بل وضعت قوانين داخلية تعرقل بل توقف أي متابعة قانونية لأي خرق من جهة شركة صينية لأي براءة اختراع خارجية، لاسيما غربية.
عندما فشلت كل المحاولات لإقناع الصين بالسير أو احترام الخط التجاري والاقتصادي الدولي، راوغت وكذبت وتلاعبت. فقرر الغرب أن آخر الدواء الكي والأخطر. إن الغرب إذا ما قرر أمرًا ما، فلن يتراجع عنه. وإن حاول الآخر التفاوض، فالقرار لا رجعة فيه أبدًا. لذا نرى أن الاتحاد الأوروبي يبتعد كل البعد الآن عن أي محاولة للاتفاق مع الصين، وقد فشلت كل المفاوضات. وهذه إشارة إلى أن الحلول السلمية قد نفذت.
الدواء!
يجب أن نسأل أنفسنا، هل لو اشترت الصين النفط بأسعار السوق الرسمية، ستنهار مصانعها؟ بالطبع لا، ما دام الدم (النفط) يسري في عروقها، بل وستظل تنافس وبقوة لسبب بسيط لا يستطيع الغرب إيقافه، وهو العنصري البشري الرخيص ومركزية القرار. إذن، ما الحل؟
لقد دخلت الصين بقدميها الأرض الحرام. (مصطلح عسكري، وهي منطقة بين طرفي معركة لا يسيطر عليها أي طرف، وإن كانت تابعة لأحد الأطراف). وهذه الأرض الحرام هي مستعمرات قديمة للغرب حصراً، فهي خط أحمر. وقد تكون الصين دخلتها على اعتبارين:
ظنًا منها بضعف الغرب بسبب الشيخوخة وكثرة حروبه ومشاكله الاقتصادية، والأهم بروز جيل سياسي حاكم جلّه من ضعفاء الشخصية والخبرة، كذلك عديمي الوطنية بسبب الولاءات للبنوك والشركات التي أتت بهم لحسابها لا لحساب آخر. (تم القبض على عدة مسؤولين رفيعي المستوى في دول أوروبية لصلاتهم المشبوهة بالصين وتلقيهم رشى مقابل تدمير قوانين وتسريب أسرار للصين).
النقمة الجماهيرية لسكان مناطق الأرض الحرام ضد الغرب، والتي قضى على مستقبلها ومقدراتها الفساد الإداري والأخلاقي والمالي جراء الإهمال الغربي لهم.
ففكرت الصين بأنها إذا قدمت نفسها كحمامة سلام ومنجم أحلام لهذه المناطق، فإنها ستسيطر عليها بسهولة بواسطة القروض السهلة – الضخمة، بواسطة الرشاوى لكبار المسؤولين في تلك الدول. وبالفعل، بدأت تسيطر عليها، وشاهدنا ونشهد لليوم انحسار النفوذ الغربي في تلك المناطق، لا سيما في قارة إفريقيا، مع تقدم واضح وضخم للصين في تلك المناطق. فهل كانت طُعمًا للصين؟
هل سيقف الثعلب العجوز ينتظر موته؟
عندما خططت الصين لبدء استعمار من نوع جديد، وأسميه استعمار الأحلام، يبدو أنها سقطت بخطأ تاريخي، وهو بدء خطتها التوسعية بمشروع الطريق والحزام. فالغرب الآن يحاول لف هذا الحزام على رقبتها من خلال تضخيم كلفته ثم قتله. وقد ازدادت كلفته فعلاً، بل تضاعفت منذ بدايته ولغاية الآن.
الاستثمارات التي وضعتها الصين في هذا المشروع هي الأكبر في التاريخ. فإذا ما انهار أو تم تحجيمه، سينهار مصنع العالم، لأنه يعتمد عليه. فقد صممته الصين ليكون الشريان الوحيد لاستمرار التفوق الصناعي الصيني. وهنا الخطأ التاريخي.
إن انهياره سيكون بطريقة واحدة، قطع مفاصله الرئيسية (العراق - إيران – باكستان – الصومال – السودان)، بضربات عسكرية مباشرة كي لا يكتمل. وهذه خطة عسكرية تنفذها الجيوش. إذا ما واجهت عدوًا كبيرًا حجمًا يتقدم بسرعة، يتم قطع الجسور بلا رحمة، وتحرق الطرق، وتحول إلى أرض حرام، وإن كانت أراضي تابعة له، فأهمية الهدف تبرر الثمن.
هل فهمنا كيف أن رخص الطاقة لم ولن يكن هو سبب الحروب!
تحيتي




تعليقات