خرطوم الصين العظيم
- رياض بـدر

- قبل يومين
- 6 دقيقة قراءة

عندما يُطرح موضوع لماذا اسقط مادورو فان نظرية بل اسميها عقدة المؤامرة تقفز الى مقدمة التحليلات لاسيما العربية ولا استثني الغربية، فتتربع الواجهة ثم لكثرة تداولها بسرعة تصبح (حقيقة) او معلومة رصينة فكثر التداول واستمراره يولد التقديس.
عقدة المؤامرة هذه المرة فيما يخص إزاحة الرئيس الفينزويلي مادورو مرتبطة حصرا بالنفط ولا ادري كيف العر بهذه المرة لم يربطوها بالماسونية والصهيونية الخ ( القائمة المعدة مسبقا Pre prepared mind set ) رغم انها حجة حقيقية غير رسمية من قبل الولايات المتحدة لكن تفسيرها وتبريرها هو الذي يجب ان نعرفه حقيقته لا ان نشتريه رخيصا من مواقع تفاسخ او تحليل لكيع بن لكيع على قنوات مريب تمويلها تابعة لقبائل غرب الخليج او احدى الدول الفاشلة عضوة في جامعة الدول الغبية كي تقبله عقول عقدة المؤامرة التي تبرر الكره والعداء الى الجانب الاخر فقط لأنه المستفيد.
ترياق الامس يقي من وباء الغد
في الحرب العالمية الثانية ولثلاث سنوات لم يتمكن الحلفاء من زعزعة هتلر مترا واحدا عن الأراضي والدول التي احتلها بل توصل الحلفاء الى انه عدو لا يمكن ان يُقهر عسكريا على الأرض في ذلك الوقت لأنه يخوض حربا استعد لها جيدا من ناحيتين رئيسيتين وهي تجييش الشعب عقائديا كذلك تصنيع ترسانة عسكرية كانت الأقوى عالميا بلا منافس, في حين ان الحلفاء لم يكونوا قد اعدوا له بنفس القدر لانهم كانوا ما يزالون سكرى بنخب نصر في الحرب العالمية الأولى ولم يظنوا للحظة بان معاناة الالمان التي كان قسم كبير منها نتيجة عقوبات الحلفاء على المانيا (معاهدة فرساي) انها ستولد قوة رد فعل جبارة وهنا أتكلم عن احد قوانين الكون وليس امر حدث مصادفة.
اجتاحهم هتلر في أوروبا في ليلة وضحاها وأسقط أوروبا بأسابيع معدودة وهو لم يدخل في حياته الكلية العسكرية ولم يدرس العلوم العسكرية اطلاقا.
هنا يجب ان نفكر بعقلية القرن التاسع عشر حيث هي المسيطرة حينها، فلم يعرفوا كيف يحدون من قوة هتلر وتقدمه إلا بطريقة تقليدية واحدة وهي، ان الجيش النازي يتمدد فإذن يحتاج الى مصدر طاقة أكبر مما لديه (حينها كانت بولندا أكبر مصدر نفط حيث كانت لديها انتاج نفطي عالي آنذاك قبل ان ينضب) فانقض الحلفاء بغارات مرعبة على بولندا لأسابيع متتالية حتى احالوا مصادر ومصافي النفط هناك الى ركام.
النازيين عنيدين، والظرف لا يسمح لهم بالتراجع وتخفيض حجم قوتهم بسبب نقص الطاقة فاستمروا في العناد بل حتى عندما طرح رومل فكرة مخالفة لأفكار هتلر بتهدئة الحرب او العمليات العسكرية والجنوح الى المفاوضات للمحافظة على المكاسب تم التخلص منه فورا وأعدم، فلم تغفر له هزيمة العلمين رغم انه خسرها بفعل نقص الطاقة. (كتب رومل في رسالة الى زوجته عشية معركة العلمين " لو كان لدي برميل وقود واحد لدفنت الحلفاء في الصحراء).
دخل هتلر فخ شح الطاقة بلا رجعة فاجهز عليه الروس الذين استدرجوه الى داخل روسيا كي يصل الى أبواب موسكو في عز الشتاء الروسي القاتل فاذا بالجيش الأحمر مدججا بجنود سيبيريا الذين لا يهابون الثلج فجعلوا الجيش النازي اثرا بعد عين وكانت هي مفتاح النصر على هتلر فقد طاردوه حتى ملجأه في برلين وإسقاطه تماما حتى قبل ان يصل الحلفاء الى برلين بشهرين.
هُزِمَ هتلر بفعل نقص الطاقة وليس بفعل دبابة أفضل من دباباته او طائرات اقوى او قنابل اشد فتكا من قنابله، نعم كان بفعل الطاقة والطاقة وحدها بل حتى انه صرخ بوجه قادته في أحد الاجتماعات قائلا " اريد ضباطا يفكرون كاقتصاديين لا كعسكريين" لأنهم لم يطبقوا خطة هتلر بالمحافظة على مصادر الطاقة كذلك السيطرة على مصادر طاقة جديدة.
لا يحتاج الامر لرامبو
تعلم الحلفاء الدرس والخلطة السحرية هذه، ومازالوا يعتمدوها ليومنا، لذا هم ظلوا يسيطرون على أكبر منابع النفط في العالم (منطقة الخليج تستحوذ على أكثر من %70 من انتاج واحتياطي النفط في العالم) لا لكي يستوردوا منها نفطا فقط بل كي لا تسقط بيد عدو.
بل جيشوا جيوشهم لكل من سولت له نفسه منازعتهم السيطرة على تلك المنطقة ولعل أبرز مثال هو تجيش أكبر حلف منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية ضد العراق عام 1990 بعد ان غزى الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين الكويت لإخراجه منها بالقوة.
قال الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الاب في كلمة موجهة لصدام حسين قبل بدأ العمليات العسكرية " تريد ان تسيطر على خُمس نفط العالم لوحدك “؟
هل التاريخ سيعيد نفسه!
مع صعود الصين كقوة اقتصادية عظمى بل أصبحت أكبر واقوى اقتصاد في العالم واستحقت لقب مصنع العالم برزت مخاوف الحلفاء من نهاية عصر قوتهم الصناعية بل الامر ابعد من ذلك وهو احتمال استعبادهم من قبل الصين وروسيا تجاريا وليس عسكريا.
وضعت خطة احتواء الصين علنا ولم تكن سرية ابدا فبدأت بتوسيع مناطق حلف شمال الأطلسي (الناتو) لتتقرب الى الحدود الروسية الامر الذي استفز الدب الكبير وجعلوه يدخل حربا شعواء في أوكرانيا رغم انه يبدو ان حسابات الحلف لم تكن دقيقة لكنهم يحاولون تحمل الخسائر والنتائج الى مدى بعيد لان الامر الأهم هو اشغال العدو وجره لحرب مكلفة ويشاركهم الكلفة أيضا.
روسيا عقدت صفقات استراتيجية مع الصين فيما يخص الطاقة بل وتزداد توسعا لكن الصين لا تريد ان تضع بيضها في سلة واحدة ولا روسيا تريد زبوناً واحد فقط لذا تستورد الصين من مصادر مختلفة مثل السعودية والامارات كذلك فنزويلا.
الصين حصلت على أرخص الأسعار ليس من روسيا بل من فنزويلا رغم ان واردات النفط لم تتجاوز معدل النصف مليون برميل يوميا لكنه رقم جيد جدا إذا ما اخذنا عامل المسافة في عين الاعتبار.
هنا أصبحت فنزويلا مصدر قلق مجاور للولايات المتحدة لأمرين مهمين كما شرحتها وكما يلي:
امداد طاقة رخيص ومضمون لعدو (أي مضمون الاستمرارية وضد تقلب الأسعار)
2. بؤرة ممكنة لحلف بريكس BRICS حيث ان فنزويلا لها حدود ملتهبة مع البرازيل أكبر اقتصادات أمريكا الوسطى.
مشكلة مادورو انه ثوري ولغة الأنا لديه عالية جدا وهذه الخصلتين إذا ما اجتمعت في شخصية فان سقوطها مسالة وقت، فلم يلعب لعبة الخداع او المناورة مع الولايات المتحدة بل فضل ان يكمل مسار سلفه هوغو شافيز في العنتريات والخطابة وفضل هذه الطريقة على السياسة (اعتقد لأنه يفتقدها أصلا فهو كان سائق شاحنة) فكان مصيره كما رأينا.
الفرق الوحيد بين سانشيز ومادورو ان سانشيز مات بالسرطان قبل ان يقتلعه الحلفاء.
سأرجع قليل بطريقة الفلاش باك كي نبين المشهد بعين النسر كي نفهم أكثر وأعمق.
2003 الإطاحة بنظام صدام حسين بعد ان فشلت معه كل المحاولات الغربية السلمية لاحتوائه حتى بعد حرب الخليج 1991 وابعاده عن المسار المعادي للحلفاء ولاسيما ان العراق يملك ثاني اكبر احتياطي نفط في العالم حيث فكر بل عمل صدام حسين على أنشاء خط معادي للحلفاء مكون من عدوه السابق ايران وسوريا لتكوين خط صد عظيم اعتقد صدام حسين لفترة طويلة انه ممكن تحقيقه لتلاقي المصالح بين هذا الثلاثي ونسي ان شاه ايران محمد رضا بهلوي مدلل الغرب قد أُسقِط لهذا السبب عندما بدأ بالتقرب من العرب, واي تقرب من العرب او حتى تقارب عربي – عربي هو خط احمر لدى حلف الناتو فحلف الناتو لا يحب الاحلاف الأخرى ابدا بل يقضي عليها في مهدها.
إسقاط الرئيس الليبي الأسبق معمر القذافي بسرعة بل دون غطاء قانوني - اممي مقنع، يجعلنا نستذكر ان ليبيا كانت محط صراع الاضداد منذ الحرب العالمية الثانية بسبب منابع النفط أيضا وميول القذافي نحو الشرق فكان لابد من مصادرة والسيطرة على هذه المنابع أيضا وابعادها عن يد الصين وان لم تكن وصلت بعد.
ثم الحاجة لتامين الموانئ فتم اسقاط الرئيس السوري بشار الأسد كذلك زعزعة اليمن والصومال كي يبقى مضيق باب المندب تحت سيطرة الحلفاء بالإضافة الى موانئ شرق المتوسط والتي الان تحت السيطرة رغم وجود قاعدة حميميم الروسية التي استقتل الروس للحفاظ عليها لمعرفتهم بأهمية شرق المتوسط للحلفاء ولن يستغني الروس عنها ولو كلفهم الضغط على الزر الأحمر.
نقطة ضعف الصين هي الطاقة فمن الطبيعي والتلقائي انها تحتاج الى طاقة متزايدة لتلبية حاجتها كأكبر مصنع في العالم (كما كانت حاجة هتلر للتوسع في حربه) رغم ان للصين خطوات حثيثة وقوية في موضوع توليد الطاقة في الدخل مثل مشروع الشمس الصناعية وقد يكتب له النجاح حيث التجارب الأولية كانت ناجحة بشكل كبير والمشروع في مراحله النهائية لكن تامين الطاقة الاعتيادية مازال شغلها الشاغل وقد استخدمت أسلوب الخرطوم لمد نفوذها الى ابعد من مستواها, وفي نفس الوقت فان الغرب مازال لديه مشكلة في الطاقة ابرزتها الحرب الأوكرانية حيث عانت ما عانت أوروبا الغربية من نقص الطاقة ومازال عندما أرادوا الاستغناء عن الغاز الروسي.
نظرة بعين النسر
لنضع خريطة العالم على الطاولة وننظر مسار تقدم الحلفاء سنجده مسار عسكري بحت، فهو قطع امدادات حالية وامدادات محتملة، السيطرة على الموانئ الرئيسية لقطع مبادرة الصين (الحزام والطريق).
بقي موضوع العملة، وهو امر مرتبط بقوة الدولار واليورو كذلك بالطاقة يجري الحلفاء عمليات جراحية صغيرة عليه وصولا الى واقع جديد قد يظهر في العقدين القادم (بعد 2030) مفاده ان لا سيطرة لأي عملة خاصة ببلد معين (لا اجزم بهذا لكن كتحليل توقعي) لكن الارجحية في العالم ستظل مقدرة بحجم الطاقة المسيطر عليها ومن يملك الطاقة ملك كل شيء، او على اقل تقدير لا يدعها تخنقه.
سيقوم الحلفاء بإسقاط أي نظام لديه مصدر طاقة رئيسي لا يدور في فلك الحلفاء, هاي هي قد ازفت الساعة ضد نظام الملالي في طهران فطهران اطلقت على راسها رصاصة الرحمة عام 2021 بتوقيع اتفاقيات تصدير نفط رخيص الى الصين مدتها 25 سنة والتي بمقتضاها أيضا ان تقوم الصين بضخ 400 مليار دولار في الاقتصاد الإيراني موزعة على تطوير البنى التحتية ومصافي النفط والغاز لكن برأي ان البند الأمني فيها قد اثار حفيظة الحلفاء اكثر وهو ان الاتفاقية تنص على ان تقوم الصين بنشر عناصر امن عسكريين لحماية مشاريعها داخل ايران أي حماية نظام الملالي بطريقة غير مباشرة عن طريق خلق قاعدة عسكرية صينية داخل ايران بالاضافة الى القيمة المادية العالية جدا للاستثمار هي الأعلى في تاريخ الصين داخل بلد واحد والعائد مغري جدا حيث حصلت الصين على أسعار نفط هي الارخص في العالم على الاطلاق الامر الذي جعل ايران في مواجهة سعرية شديدة ضد روسيا والاوبك فبعد ان سيتم ابطال هذه الاتفاقية ستكون روسيا الدولة الوحيدة التي لديها اتفاقية طاقة ضخمة وباسعار مناسبة مع الصين كي تعوض نفسها عما فقدته في اوروبا.
تحيتي










تعليقات