الحرب الاهلية في ايران بعد مفاوضات اسلام اباد
- رياض بـدر

- قبل ساعتين
- 6 دقيقة قراءة

" ان لم ترجعا الى البناية الان فانا الأمريكيين سيكونون في الجو قبل ان تصل طائرتكم الى الحدود " الجنرال الباكستاني عاصم منير للوفد الإيراني
لقد ذكرت في مقالتي السابقة عما حدث في اجتماع اسلام اباد بين الوفدين الأمريكي والإيراني بان جي دي فانس القى قنبلة في بداية الاجتماع عن ان الولايات المتحدة لا تعتبر الحرس الثوري جزء من الدولة أي يتمتع بحماية دولية لأنه يقع تحت احد بنود معاهدة جنيف انما تنظيم إرهابي ليس له صلة بالدولة.
قد يكون الأغلبية اعتقدوا ان هذا شيء عادي غير مهم او في أحسن الأحوال " ما الفرق فالولايات المتحدة استهدفت الجميع" أي انه لن يكون للتصنيف هذا أهمية!
هذا التفكير غير صحيح فيجب ان نسأل أنفسنا لما صرح جي دي فانس بهذا لوجها لوجه للوفد الإيراني لاسيما انه قالها مباشرة بوجه محمد باقر قاليباف المتحدث باسم البرلمان لأنه ضابط قديم في الحرس الثوري بل الحقيقة ان الولايات المتحدة تعلم انه يمثل الحرس الثوري في المفاوضات, ورغم اني شرحت السبب الرئيس الظاهر لهذا التصنيف في مقالتي السابقة, لكن يجب ان نضع في الحساب كيف بدأت تشن الولايات المتحدة الحرب النفسية وهي ضليعة بهذا الامر فعلى سبيل المثال ان جزءا كبيرا من نصرها على الجيش العراقي وارغامه على الانسحاب الغير مشروط من الكويت عام 1991 كانت الحرب النفسية التي شُنت على صدام حسين شخصيا وليس على غيره منذ الأيام الأولى للغزو.
يجب ان نفهم علم النفس ولو قليلا (عن دراسة مهنية وليس تكهن) كي نفهم كيف تُشعلْ وتُدار الحرب النفسية لانها صفحة من صفحات المعركة والمهمة جدا وقد أصبحت فاعلة اكثر اثناء وقف اطلاق النار المؤقت، جعلوا الإيرانيين يعتقدون ان وقف اطلاق النار طوق نجاة بل وجعلوهم يؤمنون بان لديهم أوراق ضغط قوية ونسوا انه لم يبقى لديهم أي سلاح حقيقي فعال ولا حتى ارض يستطيعون الحركة فيها بحرية بسبب فقدهم الغطاء الجوي فانكشفوا على العدو تماما.
كيف تم شن الحرب النفسية!
بادئ ذي بدأ يجب ان نفهم لماذا وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تحذيره للجيش الإيراني (ارتيش) يوم 28 شباط /فبراير 2026 أي اليوم الأول للمعركة بان يلقوا أسلحتهم وسيحضون بحماية ولن يتم استهدافهم ابدا. استثنى الحرس الثوري الإيراني وهذا ما تم التركيز عليه فعلا حتى اثناء المفاوضات الأخيرة في اسلام اباد كحرب نفسية جعلت الوفد الإيراني ينسحب لمدة 74 دقيقة بالضبط قبل ان يعود الى طاولة المفاوضات.
هناك صراع قديم بين الحرس الثوري ومؤسساته من جهة وبين الجيش النظامي الذي يسمى ارتيش من جهة, برزت حدته في المعركة الأخيرة اخذين بعين الاعتبار ان غالبية الشعب الإيراني يكن كره شديد للحرس الثوري الايراني لاسيما بعد مافعله بهم الحرس الثوري في الاحتجاجات الأخيرة التي قمعها وبطش ونكل بالشعب شر تنكيل راح ضحيتها اكثر من 30 الف إيراني من عامة الشعب بدم بارد وهنا بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل استغلال هذا الامر افضل استغلال ولا اقصد إعلاميا فقط بل على ارض الواقع وتجيير نتائج هذه الاحتجاجات لصالح الحرب النفسية.
بدأت الولايات المتحدة بزرع او زيادة الشكوك بين الطرفين أي الحرس الثوري والجيش (ارتيش) وهما بالفعل جهتين يختلفان في أمور كثيرة, وقد بدأت حدة الانشقاقات بين الطرفين تزداد اثناء القصف الجوي, فقد وصلت الخلافات بين هذين الطرفين لدرجة اندلاع اشتباكات في منطقة الاحواز (إقليم خوزستان) بسبب ان الحرس الثوري يخزن الصواريخ ورفض تزويد الجيش بها فولد نقص خطير لدى الجيش الذي لم تسعفه صرخاته بان مستودعاته تعاني نقص من الصواريخ جراء الاستخدام والتدمير وهم موكلين بالدفاع عن ايران وستنكشف الحدود فرفض الحرس الثوري تزويدهم بالصواريخ واحتجاز الخزين رغم انها لم تُنتج له فقط لكن يبدو انه استولى على غالبية الخزين بسبب تدمير غالبية المخازن والمنصات رغم ان الحرس الثوري مهمته فقط عمليات خارجية لكنه كان كسيحا ليس لديه أي ارض يقاتل عليها فقد خسر سوريا والعراق ولبنان بل حتى اليمن صارت جبهة ميؤوس منها.
حوادث أخرى حدثت وهي عندما كان يصل جرحى الجيش النظامي (ارتيش) الى المستشفيات التي يسيطر عليها الحرس الثوري او فيها جرحى الحرس الثوري كان يتم رفض علاج بل حتى استقبال جرحى الجيش النظامي وقد ولد هذا الامر اشتباكات مسلحة بين الطرفين جراء هذا التصرفات (لم ترد أي قناة إعلامية عربية هذه الاخبار بتعمد لأنها تثبت بداية الانشقاقات).
ماذا حدث في اسلام اباد !
وصلت الريبة تجاه الجيش النظامي (ارتيش) من قبل الحرس الثوري لدرجة استبعادهم من وفد المفاوضات الى اسلام اباد (كان الوفد يضم 71 عضو بالضبط ) بالرغم من قائد الجيش النظامي (ارتيش) وكبار القادة قتلوا في الثواني الأولى من المعركة كقادة الحرس الثوري لكن استبعادهم بتعمد من قبل المجلس الإيراني الأعلى لا يُبقي للشكوك محل سوى ان الصراع فعلي وأخذ في الازدياد مع اجتياز نقطة اللاعودة.
جاءت المفاوضات وإذا بها حقيقة أي الحرب النفسية, فان من يمثل الحرس الثوري وهو محمد باقر قاليباف المتحدث باسم البرلمان قيلت بوجهه ان الولايات المتحدة لا نعتبر الحرس الثوري من الجيش الإيراني أي لن يتم التعامل معه ابدا وطبعا لن يُشمل في اتفاقية سلام مما جعله يترك الاجتماع هو وعباس عرقجي ثم رجعا ادراجهما ولم يخرج الوفد الأمريكي من القاعة لكن الجانب الباكستاني المتمثل بالجنرال عاصم منير لحق بقالبياف وعرقجي وقال لهم التالي :
"ان لم ترجعا الى البناية الان فانا الأمريكيين سيكونون في الجو قبل ان تصل طائرتكم الى الحدود" واضاف عاصم منير " انا لا أستطيع ان احمي اجوائكم وانا لن ادع باكستان تكون قبرا لكبرياء نظامكم" هذا نص ما قاله الجنرال عاصم للوفد الإيراني الذي أراد الانسحاب.
اثناء هذا الانسحاب المؤقت تلقى الوفد الإيراني مكالمة مستعجلة من مسؤول رفيع المستوى في القيادة الصينية وعن طريق هاتف مؤمن قال لهم بالحرف الواحد " ان انسحبتم من المفاوضات فان الصين ستوقف نظام الاعتماد البنكي المقدم لإيران بأكمله (ايران تحت العقوبات ومعزولة عن نظام سويفت منذ عدة اعوام) وأنها ستوقف العمل بالاتفاقية الاقتصادية الموقعة بين الطرفين عام 2021 لتجنب أي مواجهة بينها وبين الولايات المتحدة وحلف الناتو".( هذا الامر تطرقت اليه في مقالة سابقة قبل اندلاع المعركة بعدة ايام بان الاتفاقية هذه ستكون سبب في اسقاط النظام الإيراني).
نرى هنا ان الصين لعبت دور كبير في ارجاعهم لطاولة المفاوضات لأنها أرسلت رسالة لهم مفادها " ان انسحبتم من المفاوضات فستكملون الطريق وحيدين "
كذلك حدث امر اخر اثناء هذا الانسحاب؛ فقد ارسل جاريد كوشنر صورة بث حي Live Feed بواسطة جهازه اللوحبي Tap لعباس عرقجي عن طريق المفاوض الباكستاني تُظهر أماكن تخزين سرية تابعة للحرس الثوري بالقرب من أصفهان لم يتم تدميرها بعد, وهنا كانت صدمة للإيرانيين حيث يبدو انها أكبر مستودعات الحرس الثوري التي يراهن عليها وقد قال كوشنر للمفاوض الباكستاني ان لم يرجعوا لطاولة المفاوضات خلال 90 دقيقة فان هذا الهدف سيتم تدميره فورا.
يقول محضر الاجتماع
لقد رجع الوفد الإيراني الى طاولة المفاوضات الساعة 11:45 قبل منتصف الليل لأسباب قاهر فقد اسقط بيده ولم يعد بيده أي ورقة ففضلوا شراء الوقت لان الباكستانيين رفضوا ان يكونوا درعهم والصينين رفضوا ان يكونوا بنكا لهم والامريكيين يهمون بالقضاء على ما بقي من الحرس الثوري بضربة واحدة وعندها تستطيع حتى طالبان من احتلال ايران كلها بأيام قليلة ( هنا يجب ربط الامر مع التحذير الذي اطلقه الرئيس الأمريكي ترمب عندما قال نستطيع ان ننهيهم بساعة واحد فهذا رئيس دولة عظمى لا يتكلم جزافا انما فقط بمعونة مستشاريه العسكرين والاستراتيجيين اثناء الحرب وطريقته هذه هي دائما بالتلميح لأمور سرية ستحدث لكن يجب ان نفهمها وما يقصد بها دون تحليل عاطفي انحيازي او اعلامي رخيص)
لو لاحظنا التصريحات المتضاربة في الداخل الإيراني خلال الأيام القليلة الماضية سنفهم ان الخلافات داخل ما بقي من النظام الإيراني قد بلغت درجة اللاعودة فالحرس الثوري يريد الحرب لأنه يفضل الموت في الحرب لا باقتتال داخلي والجيش النظامي (ارتيش) يريد الحفاظ على ما بقي من ايران والاستمرار بلباس جديد امام الولايات المتحدة لقيادة مرحلة النظام الجديد التي لطالما كرر هذا الوصف الرئيس الأمريكي ترمب.
الحرس الثوري طبعا يعلم جيدا ان الحرب ان انتهت فسينتهي الحرس الثوري وهذا مؤكد بلا أدنى شك فصار يدفع بالأمور الى الحافة من خلال اعلان اغلاق مضيق هرمز مرة ثانية وإطلاق النار على سفن وان كانت سفن تابعة لدول موالية لنظام الملالي مثل العراق, يعكس هذا ان القنبلة التي فجرها دي جي فانس قد فعلت فعلها وان الفُرقة بين الاخوة أصبحت حقيقة وسيمتد فعلها واثرها الى ما بعد انتهاء الحرب.
مشهد ما بعد الحرب
الجيش النظامي سيفعل ما بوسعه لانتزاع إيران من يد الحرس الثوري كي ينقذ ما يمكن إنقاذه وتجنيب البلاد حرب أهلية. الحرس الثوري على النقيض فقد رفع فعليا شعار " انا ومن بعدي الطوفان" ولو كلفه ضرب الجيش النظامي في الشوارع وقد برز موضوع الخلاف أوجه في وفد المفاوضات الذي ذهب الى اسلام اباد المكون من 71 عضو لم يكن من بينهم أي شخصية تنتمي للجيش النظامي (ارتيش) بإقصاء متعمد فأصبح المشهد كالتالي:
الجيش النظامي من جهة والحرس الثوري من جهة مضادة وكلاهما يلقي اللوم على الاخر بتدمير ايران والامر يتفاقم منذرا بصراع مسلح طويل.
جماعة معارضة تؤيد رجوع الشاهنشاهية يدعمها رضا محمد رضا بهلوي ابن الشاه المخلوع ويعيش في المنفى وتلقى دعم معنوي لا أكثر من الولايات المتحدة ودول أوروبية.
جماعة مجاهدي خلق المناوئين للشاهنشاهية ويعملون على الأرض ومن المنفى أيضا، فهؤلاء قد ساهموا في اشعال الثورة ضد الشاه عام 1979 ثم انشقوا عن الملالي لان مجاهدي خلق يسارية علمانية أصلا لكن "وصمة العار" التي يعانون منها انهم قاتلوا الى جانب العراق ضد الجيش الإيراني في حرب الثماني سنوات.
الجماعات الكردية التي يكرهها كل الاطراف وهي تكره الجميع ومناطقها محدودة لأنها ذات نزعة عرقية ولا تحمل عقيدة توحيدية انما فقط التركيز على علوا كعب الاكراد فوق الجميع أي نزعة انفصالية قصيرة النظر وتوالي من يدفع لها وان كان ليس ايرانيا وتدعمها عسكريا ومعنويا الولايات المتحدة حصرا وتستقطب اهتمام إسرائيل واعتقد انها تدعمهم بشكل سري.
عرب الاحواز وهؤلاء غير منظمين عسكريا او حزبيا, مهمشين ومبعدين بشكل كبير منذ عقود طويلة لا يتلقون أي دعم من أي جهة خارجية او داخلية سوى نضالهم التاريخي و قد نكل بهم من قبل نظام الملالي وهمشوا حتى في زمن الشاه ويعيشون في ضنك معيشي قاتل رغم ان اقليمهم (إقليم خوزستان) هو اغنى إقليم في ايران كلها من حيث الموارد المعدنية والطبيعية بالإضافة الى البشرية.
تحيتي




تعليقات